تواجه فرنسا تحولات جيوسياسية عميقة في القارة الأفريقية، حيث لم يعد حضورها التاريخي والأمني كافياً لضمان مصالحها في ظل منافسة دولية محمومة. فبعد انسحاب قواتها من عدة مواقع استراتيجية في منطقة الساحل وتنامي النزعة السيادية لدى الحكومات الأفريقية، تسعى باريس إلى إعادة صياغة وجودها عبر بوابة شرق أفريقيا، معتمدة على أدوات اقتصادية وتنموية بدلاً من المقاربات العسكرية التقليدية.
تعد كينيا وجهة مركزية في هذا التحول الاستراتيجي، إذ شكلت قمة “Africa Forward” التي احتضنتها نيروبي في مايو 2026 مؤشراً على رغبة فرنسا في الانفتاح على فضاءات جغرافية واقتصادية خارج نطاق نفوذها الفرنكوفوني المعتاد. وتهدف باريس من خلال هذه المبادرات إلى تقديم عروض استثمارية في مجالات الطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، والبنية التحتية، والتعليم، في محاولة لمجاراة القوى الدولية الأخرى كالصين وروسيا وتركيا ودول الخليج.
تدرك الدبلوماسية الفرنسية أن الدول الأفريقية أصبحت اليوم أكثر قدرة على تنويع شركائها والمفاضلة بين العروض الدولية وفقاً لمصالحها الوطنية. لذا، فإن الرهان الفرنسي الحالي يتركز على الانتقال من منطق “إدارة النفوذ” السياسي إلى “صناعة المصالح” الاقتصادية المشتركة، معتبرة أن الاستثمارات المستدامة قد توفر حضوراً أكثر ثباتاً من التحالفات الأمنية التي قد تنهار بتغير الأنظمة.
غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات، حيث لا تزال الذاكرة الاستعمارية وتراجع الثقة الشعبية يمثلان عائقاً أمام باريس. ويؤكد مراقبون أن فرنسا مطالبة بإثبات قدرتها على التكيف مع قواعد اللعبة الجديدة، حيث لم يعد كافياً الاعتماد على الإرث التاريخي، بل بات لزاماً عليها إقناع الشركاء الأفارقة بقيمة التكنولوجيا والتمويل والخبرات التي تقدمها في سوق أفريقية أصبحت أكثر استقلالية وتنافسية.
ستحدد المرحلة المقبلة مدى نجاح فرنسا في التحول إلى شريك فاعل ضمن منظومة دولية متعددة الأقطاب في أفريقيا. فالمعركة اليوم لم تعد تُقاس بعدد الجنود في القواعد العسكرية، بل بقدرة الشركات والمؤسسات الفرنسية على كسب ثقة العواصم الأفريقية عبر مشاريع ملموسة تخدم التنمية المحلية وتؤسس لعلاقة قائمة على الندية وتبادل المصالح.








التعليقات
0 تعليق