أفرزت الاستحقاقات التشريعية الأخيرة مشهداً سياسياً متبدلاً، حيث انتزع حزب الأصالة والمعاصرة الصدارة بحصوله على 97 مقعداً، متفوقاً على التجمع الوطني للأحرار الذي نال 66 مقعداً، وحزب الاستقلال الذي حل ثالثاً بـ65 مقعداً، بينما تراجع حزب العدالة والتنمية إلى المرتبة الرابعة بـ54 مقعداً.
تأتي هذه النتائج بعد تباين في مؤشرات الفرز التي بدأت لصالح قوى معينة قبل أن تنقلب الموازين مع توالي وصول محاضر التصويت من المناطق القروية والنائية، وهو أمر طبيعي في العمليات الانتخابية حيث تختلف ثقل القواعد الحزبية بين المراكز الحضرية والبوادي، مما يغير الترتيب النهائي بعيداً عن أي فرضيات للتلاعب.
يعود نجاح الأصالة والمعاصرة في تبوء المرتبة الأولى إلى استراتيجية ميدانية مكثفة تجاوزت المدن الكبرى لتصل إلى أعماق الدواوير، حيث تشتد المنافسة وتلعب شبكات المرشحين المحليين دوراً محورياً في حسم المقاعد. كما ساهم إدراج فوزي لقجع في الواجهة الانتخابية في جذب فئات واسعة من الناخبين، بالنظر إلى ارتباط اسمه في الوجدان الشعبي بالنجاحات الرياضية التي حققتها المملكة مؤخراً.
في المقابل، حافظ التجمع الوطني للأحرار على مركز متقدم رغم الانتقادات الموجهة للحكومة المنتهية ولايتها بخصوص غلاء المعيشة، وذلك بفضل قوة تنظيمه وقدرته على تعبئة قواعده، وهو ما يؤكد أن السخط الرقمي على منصات التواصل لا يترجم دائماً إلى عقاب انتخابي داخل الصناديق في ظل غياب بدائل قوية وعزوف المعارضين عن التصويت.
من جانبه، سجل حزب العدالة والتنمية عودة بـ54 مقعداً، لكنه ظل بعيداً عن صدارة المشهد، متأثراً بإرث حصيلته الحكومية السابقة التي لم تكن محل رضا قطاعات واسعة، فضلاً عن انحصار نشاطه في المدن الكبرى وعدم قدرته على مجاراة الخصوم في المناطق القروية.
لقد ساهم عزوف الشباب عن التصويت في تعزيز هيمنة الكتل المنظمة، إذ إن مقاطعة الصناديق لا تؤدي إلى إلغاء النتائج، بل تمنح الأفضلية للأحزاب التي تمتلك آليات حشد فعالة، مما يطرح تساؤلات حول جدوى الاحتجاج الافتراضي مقابل ضعف المشاركة الفعلية التي تساهم في إحداث التغيير المنشود.
تظل ظاهرة استخدام المال الانتخابي واستغلال الحاجة الاجتماعية تحدياً يواجه نزاهة الاستحقاقات، مما يتطلب تضافر جهود المؤسسات والوعي المجتمعي لرفض تحويل الصوت إلى سلعة، باعتبار أن القرار الانتخابي يمتد أثره لخمس سنوات كاملة.
ختاماً، تؤكد هذه التجربة أن التغيير السياسي ليس مجرد تعبير عن الغضب، بل هو عملية تراكمية تتطلب المشاركة والمراقبة والمحاسبة، حيث أثبتت الأحزاب الأكثر تنظيماً وتواجداً في الميدان أنها القادرة على حسم النتائج، بينما يظل المقاطعون خارج دائرة التأثير الفعلي في اختيار من يدير الشأن العام.








التعليقات
0 تعليق