هجر إمغري
صعدت نقابات موظفي التعليم العالي من لهجتها الاحتجاجية، بعدما نظمت وقفة وطنية أمام مقر وزارة التعليم العالي بالرباط، في خطوة تعكس حجم التوتر المتزايد بين ممثلي الموظفين والوزارة، وسط مطالب متكررة بفتح حوار اجتماعي جدي والاسراع في معالجة الملفات العالقة التي ظلت تراوح مكانها لفترة طويلة.
وتأتي هذه الخطوة الاحتجاجية في وقت تواصل فيه النقابات الثلاث مقاطعة الدخول الجامعي بمختلف مؤسسات التعليم العالي والادارة المركزية، إلى جانب حمل الشارة، ضمن برنامج احتجاجي يمتد من بداية شتنبر الجاري إلى منتصفه، في رسالة واضحة مفادها أن موظفي القطاع قرروا رفع مستوى الضغط من أجل دفع الوزارة إلى التفاعل مع مطالبهم.
وتخوض الهيئات النقابية، في السياق ذاته، اضرابا وطنيا عن العمل يمتد لثلاثة أيام، قبل أن تعود إلى خوض اضراب وطني ثان لمدة 72 ساعة خلال منتصف الشهر، وهو ما ينذر باستمرار حالة الاحتقان داخل قطاع التعليم العالي، خصوصا في ظل ارتباط هذه الاحتجاجات بمرحلة حساسة من الموسم الجامعي الذي يعرف عادة ضغطا كبيرا على الادارات والمؤسسات الجامعية.
ويطالب المحتجون، في مقدمة ملفاتهم، بفتح حوار اجتماعي حقيقي مع النقابات الممثلة للموظفين، معتبرين أن استمرار غياب قنوات تفاوض منتظمة يزيد من تعقيد الوضع ويعمق حالة فقدان الثقة بين الطرفين. ويرى ممثلو الموظفين أن معالجة الملفات الاجتماعية والمهنية لا يمكن أن تتم من خلال لقاءات متفرقة أو وعود مؤجلة، وإنما تحتاج إلى حوار واضح يفضي إلى قرارات عملية وآجال محددة للتنفيذ.
ويطرح المحتجون كذلك قضية مجانية التكوين لفائدة الموظفين والاجراء المستفيدين من نظام التوقيت الميسر، معتبرين أن أداء الموظف للضرائب والاقتطاعات المفروضة عليه لا ينبغي أن يتبعه تحميله تكاليف اضافية عندما يسعى إلى تطوير مستواه العلمي والمهني داخل مؤسسات التعليم العالي.
وتكتسي قضية مجانية التعليم العالي بعدا اوسع في الخطاب النقابي، اذ لا ينظر إليها المحتجون باعتبارها مطلبا محدودا بفئة الموظفين فقط، بل يربطونها بمستقبل مبدأ مجانية التعليم العمومي. ويحذر هؤلاء من أن فرض رسوم على التكوين قد يفتح الباب تدريجيا أمام توسيع دائرة الاداءات، بما قد يجعل الولوج إلى بعض المسارات الجامعية أكثر صعوبة بالنسبة لفئات اجتماعية واسعة.
ويضع الموظفون كذلك النظام الاساسي في صلب مطالبهم، بعدما طال انتظار اخراجه إلى حيز التنفيذ رغم سنوات من النقاش والتفاوض. ويؤكد المحتجون أن هذا الملف استغرق وقتا طويلا، ووصلت بشأنه المفاوضات إلى اتفاق سابق، غير أن تنزيله ظل متعثرا، الامر الذي زاد من حالة الاستياء داخل صفوف العاملين بالقطاع.
ويرتبط هذا الملف ايضا بمطلب الزيادة في الاجور، حيث ينتظر عدد من الموظفين الاستفادة من زيادة قدرها 1000 درهم، كانت موضوع وعود سابقة، لكن استمرار التأخير في صرفها جعلها تتحول إلى واحد من أبرز عناصر الاحتقان. ويعتبر الموظفون أن تحسين الاجور لا يمكن فصله عن باقي المطالب المهنية، خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد المسؤوليات الملقاة على عاتق الاداريين والتقنيين العاملين في الجامعات.
وتكشف المعطيات التي تقدمها النقابات عن جانب آخر من الازمة، يتعلق بتراجع عدد الموظفين الاداريين مقارنة بالارتفاع الكبير في أعداد الطلبة. فقد ارتفع عدد الطلبة في مؤسسات التعليم العالي بشكل كبير خلال السنوات الماضية، في الوقت الذي لم يواكب فيه عدد الموظفين هذا التطور، ما جعل الادارات الجامعية تواجه ضغطا متزايدا في تقديم الخدمات ومواكبة الطلبة وتدبير الملفات الادارية اليومية.
ويؤدي هذا الخلل، بحسب ممثلي الموظفين، إلى تحميل العاملين مسؤوليات متزايدة في ظروف مهنية صعبة، خصوصا داخل المؤسسات التي تستقبل أعدادا ضخمة من الطلبة مقارنة بالموارد البشرية المتوفرة لديها. ويعني ذلك عمليا أن الموظف الاداري يجد نفسه مطالبا بتقديم خدمات لعدد كبير من الطلبة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سرعة معالجة الملفات ودقة الاجراءات، وهو ما يرفع منسوب الضغط داخل الادارات الجامعية.
وتثير مسألة التأطير الاداري بدورها نقاشا حول قدرة المؤسسات الجامعية على مواكبة التحولات التي يعرفها التعليم العالي، خاصة مع التوسع الكبير في أعداد الطلبة وتنوع الخدمات الجامعية والادارية المطلوبة. فكلما ارتفع عدد الطلبة دون تعزيز الموارد البشرية، ازدادت احتمالات تراكم الملفات وطول فترات الانتظار وارتفاع الضغط على الموظفين.
وتشير النقابات أيضا إلى أن غياب نظام اساسي واضح ومحدث ينعكس بشكل مباشر على الوضعية المهنية لعدد من الفئات، من موظفين وتقنيين واداريين، باعتبار أن القواعد المنظمة للمسار المهني والترقي والمهام والتعويضات تشكل عنصرا اساسيا في تحقيق الاستقرار داخل أي قطاع عمومي.
وتحذر الهيئات المحتجة من أن استمرار تأجيل الملفات العالقة قد يؤدي إلى توسيع دائرة الاحتجاج، خصوصا أن الموظفين يعتبرون أن مطالبهم لم تعد مرتبطة فقط بتحسين الاجور، بل أصبحت مرتبطة كذلك بظروف العمل والاعتراف بالدور الذي يؤدونه في ضمان السير العادي للمؤسسات الجامعية.
ويأتي هذا التصعيد في مرحلة تعرف فيها الجامعات المغربية بداية موسم جامعي جديد، وهو ما يمنح الاحتجاجات بعدا خاصا، اذ يعتمد نجاح الدخول الجامعي بشكل كبير على جاهزية الادارات والموظفين المكلفين بتدبير التسجيلات والملفات والخدمات المختلفة المقدمة للطلبة.
ويترقب العاملون في القطاع خلال الايام المقبلة ما ستؤول إليه التحركات النقابية، وما اذا كانت الوزارة ستتجه نحو فتح حوار مباشر وشامل لتطويق الاحتقان، أم أن البرنامج الاحتجاجي سيستمر وفق المواعيد المعلنة. وبين هذا وذاك، يبدو أن ملف موظفي التعليم العالي بات يحتاج إلى معالجة تتجاوز الحلول المؤقتة، نحو مقاربة تستجيب للمطالب المهنية والاجتماعية وتراعي في الوقت نفسه التحولات الكبيرة التي يعرفها قطاع التعليم العالي بالمغرب.
ويظل فتح حوار اجتماعي جدي النقطة التي تلتقي حولها مختلف المطالب المطروحة، باعتبار أن الوصول إلى حلول دائمة يمر، في نظر المحتجين، عبر التفاوض والاستماع إلى انتظارات الموظفين ووضع التزامات واضحة قابلة للتنفيذ. وفي حال استمرار التأجيل، قد تجد مؤسسات التعليم العالي نفسها أمام موجة جديدة من الاحتجاجات، في وقت تحتاج فيه الجامعات إلى استقرار إداري يواكب انطلاق الموسم الجامعي ويضمن تقديم الخدمات للطلبة في ظروف أفضل.








التعليقات
0 تعليق