ياسر الرقاص
لم يعد الوجود العسكري الأميركي الكثيف في الشرق الأوسط كافيا لطمأنة حلفاء واشنطن التقليديين، بل إن الثقة بالضمانات الأمنية الأميركية انحدرت إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة. هذا التحول الجذري، الذي تبلور بوضوح عقب المواجهات المتصاعدة مع إيران، كشف عن محدودية فعلية في قدرة الولايات المتحدة على تأمين القواعد والمنشآت الحيوية لحلفائها وقت الأزمات.
النتيجة المباشرة لهذا الانكشاف هي اهتزاز اليقين الاستراتيجي الذي استمر لعقود، وإطلاق صفارة الإنذار التي تنذر بالأفول الفعلي للنظام الإقليمي القديم الذي هندسته وهيمنت عليه الإدارات الأميركية المتعاقبة.
أمام هذا الواقع الجديد، قررت عواصم المنطقة التخلي عن سياسة الانتظار والاعتماد الأحادي على الحليف الأميركي. تتسارع اليوم وتيرة تحركات استراتيجية هادئة ولكنها عميقة نحو استقلالية القرار الأمني والسياسي.
تتجسد هذه الاستقلالية في تنويع شبكة التحالفات الدولية، حيث تفتح دول الخليج والشرق الأوسط أبوابها واسعة أمام شراكات استراتيجية متقدمة مع الصين وروسيا، متجاوزة الخطوط الحمراء التي كانت ترسمها واشنطن في الماضي.
لقد أثبتت خطوات سابقة، مثل الرعاية الصينية للتقارب الإقليمي، أن بكين مستعدة للعب دور ضامن الاستقرار الدبلوماسي والاقتصادي، وهو ما شجع دول المنطقة على السعي الحثيث لنسج تفاهمات مباشرة وعملية مع إيران.
الهدف من هذا التحول هو تبريد بؤر التوتر بجهود ذاتية خالصة تضمن حماية الاقتصادات المحلية من ارتدادات حروب الوكالة المدمرة.
في هذا السياق المعقد، تتقاطع رؤى الخبراء وقراءات مراكز الفكر المرموقة، على غرار ما طرحته “فورين أفيرز”، عند نقطة جوهرية.. انهيار النظام التقليدي لا يعني بالضرورة خروجاً أميركياً نهائياً، بل يمثل الفرصة الأخيرة المتاحة لواشنطن لإعادة اختراع دورها الإقليمي.
لكي تنجح في ذلك، يتحتم على صانع القرار في البيت الأبيض إجراء مراجعة جراحية تتخلى بموجبها واشنطن عن عقيدة التدخل العسكري المباشر والردع الخشن، لتتبنى بدلا من ذلك استراتيجيات ترتكز على الدبلوماسية الوقائية وتأسيس هياكل دفاعية جماعية متكافئة.
وإلى جانب ذلك، تبرز ضرورة ملحة لمقاربة الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها إعادة التقييم الجذري لطبيعة العلاقة والتغطية غير المشروطة التي تمنح لإسرائيل.
إن الاستمرار في هذا النهج الموروث بات يُكلف الولايات المتحدة رصيدا استراتيجيا وأخلاقيا هائلا، ويدفع بشركائها الإقليميين أكثر فأكثر نحو المعسكر الشرقي. المشهد الإقليمي اليوم يُعاد تشكيله بأيدي قواه الفاعلة، ولم يعد يتسع لضمانات شفهية تذروها رياح المصالح المتقلبة.








التعليقات
0 تعليق