هجر إمغري
تطرح ليلى بنعلي، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، مقترحا جديدا لتمويل البرامج التي يتعهد بها الحزب خلال المرحلة الانتخابية، يقوم على فرض ضريبة على ما وصفته بالأرباح الفاحشة التي تحققها بعض الشركات في فترات الأزمات والظروف الاقتصادية الاستثنائية، في خطوة تعكس رغبة الحزب في البحث عن موارد إضافية لتمويل برنامجه الانتخابي الذي تقدر كلفته الإجمالية بنحو 350 مليار درهم.
وأعادت بنعلي بهذا الطرح النقاش حول علاقة الأزمات الاقتصادية بتوزيع الأرباح والمساهمات الضريبية، خصوصا في القطاعات التي تستطيع بعض الشركات العاملة فيها تحقيق عائدات مرتفعة خلال فترات تتسم بارتفاع الأسعار أو اضطراب الأسواق أو تغيرات استثنائية في العرض والطلب. وترى أن الشركات التي تستفيد من هذه الظروف ينبغي أن تتحمل بدورها جزءا من كلفة السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي تستهدف حماية القدرة الشرائية ودعم الفئات التي تواجه صعوبات أكبر خلال الأزمات.
ووضعت القيادية في حزب الأصالة والمعاصرة هذا المقترح ضمن تصور أوسع لتمويل الالتزامات الانتخابية، موضحة أن الموارد الإضافية الناتجة عن هذا النوع من الضرائب يمكن أن توجه إلى عدد من البرامج الاجتماعية، وعلى رأسها آليات الدعم المباشر، بما يسمح بتوسيع هامش تدخل الدولة في مواجهة الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية.
وربطت بنعلي هذه الرؤية بالتجربة الحكومية التي راكمها وزراء الحزب، معتبرة أن البرنامج الانتخابي لم يبن على وعود منفصلة عن الواقع، وإنما على ما تم الوقوف عليه خلال تدبير عدد من الملفات داخل الحكومة. ويعكس هذا الخطاب محاولة لتقديم البرنامج باعتباره امتدادا لتجربة سياسية وتدبيرية سابقة، وليس مجرد مجموعة من الوعود التي تطرح خلال الحملات الانتخابية.
وفي السياق نفسه، أعادت بنعلي ملف الطاقة إلى واجهة النقاش السياسي، من خلال تجديد التزام الحزب بإعادة خزانات مصفاة لاسامير إلى الخدمة، وهو ملف ظل حاضرا في النقاش العمومي بالنظر إلى ارتباطه بأمن التخزين وتوازنات سوق المحروقات والقدرة على مواجهة التقلبات التي تعرفها الأسواق الدولية.
وأشارت إلى أن وزارتها منحت في سنة 2023 أول ترخيص لاستعمال هذه المنشآت، مع التشديد على ضرورة توفير شروط المنافسة ومنع تحول عمليات التخزين إلى مجال مغلق أمام الفاعلين الآخرين. كما شددت على أهمية احترام شروط السلامة وحماية السكان، في محاولة للجمع بين الاعتبارات الاقتصادية المرتبطة بالبنية التحتية للطاقة والاعتبارات المرتبطة بالأمن والسلامة والمصلحة العامة.
وتزامنا مع ذلك، سلطت بنعلي الضوء على الإمكانات التي يتوفر عليها المغرب في مجال الانتقال الطاقي، معتبرة أن انخفاض كلفة إنتاج الطاقة يمكن أن يمنح المملكة فرصة مهمة لاستقطاب الاستثمارات وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني. غير أن هذه الفرصة، بحسب تصورها، تظل مرتبطة بمدى قدرة الإدارة على تسريع المساطر والتعامل مع العراقيل التي قد تؤخر إنجاز المشاريع.
وتكتسب مسألة تبسيط الإجراءات أهمية خاصة في هذا السياق، لأن الاستثمارات المرتبطة بالطاقة المتجددة والصناعات الجديدة تحتاج إلى وضوح في المساطر وسرعة في اتخاذ القرار، خصوصا في ظل المنافسة الدولية على المشاريع والاستثمارات الخضراء. ولذلك، فإن تجاوز التعقيدات الإدارية لا يرتبط فقط بتحسين أداء الإدارة، بل يمكن أن يتحول إلى عامل مباشر في جذب رؤوس الأموال وخلق فرص اقتصادية جديدة.
وانتقلت بنعلي كذلك إلى عدد من الملفات الاجتماعية التي تعتبر من أكثر القضايا حساسية لدى المواطنين، متوقفة عند وفيات النساء الحوامل داخل المؤسسات الصحية. واعتبرت أن استمرار تسجيل مثل هذه الحالات أمر غير مقبول في أفق مغرب 2030، في إشارة إلى ضرورة الرفع من جودة الخدمات الصحية وتعزيز قدرة المؤسسات الاستشفائية على الاستجابة للحالات المستعجلة، خصوصا في المناطق التي تواجه صعوبات مرتبطة بالولوج إلى العلاج.
وتتجاوز هذه القضية، في بعدها الاجتماعي، حدود الأرقام والإحصاءات، لأنها ترتبط بثقة المواطنين في المنظومة الصحية وقدرتها على توفير الحماية الضرورية للأمهات والنساء في مختلف مراحل الحمل والولادة. ومن هذا المنطلق، يصبح تحسين الخدمات الصحية جزءا من النقاش الأوسع حول العدالة المجالية والاجتماعية، وليس مجرد ملف قطاعي منفصل.
وبالتوازي مع ذلك، انتقدت بنعلي ما اعتبرته مقاومة من طرف بعض الوسطاء داخل سلاسل القيمة لمسار الرقمنة والتحول الرقمي، معتبرة أن استمرار بعض الممارسات التقليدية قد يحد من سرعة تحديث الاقتصاد ويؤثر على فعالية الخدمات والمعاملات. ويأتي هذا الموقف في وقت أصبحت فيه الرقمنة مرتبطة بشكل مباشر بتبسيط الإجراءات ومحاربة التعقيد الإداري وتحسين العلاقة بين الإدارة والمواطن والمقاولة.
ويحضر التشغيل بدوره ضمن الملفات الأساسية التي يركز عليها حزب الأصالة والمعاصرة خلال حملته الانتخابية، حيث وضع يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، قضايا التشغيل والتكوين وتسهيل الاستثمار في صدارة الأولويات التي يدافع عنها الحزب.
ويرتبط هذا التوجه بالحاجة إلى خلق فرص شغل جديدة، خصوصا لفائدة الشباب، عبر تعزيز التكوين وربطه بشكل أكبر باحتياجات سوق العمل، إلى جانب العمل على إزالة العراقيل التي تواجه المستثمرين والمقاولات. فرفع معدلات التشغيل لا يرتبط فقط بعدد الوظائف التي يمكن إحداثها، وإنما كذلك بقدرة الاقتصاد على إنتاج فرص مستقرة ومؤهلة وقابلة للاستمرار.
ويحاول الحزب من خلال هذه المقترحات تقديم تصور يجمع بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، عبر البحث عن موارد إضافية لتمويل البرامج، والدفع باتجاه إصلاحات في الطاقة والاستثمار والرقمنة، إلى جانب إعطاء أهمية للصحة والتشغيل والتكوين. ويضع هذا التصور الحكومة المقبلة أمام تحدي تحويل الالتزامات الانتخابية إلى سياسات قابلة للتنفيذ، خصوصا في ظل ارتفاع انتظارات المواطنين وتعدد الملفات التي تتطلب تمويلا وإصلاحات هيكلية.
وتبقى مسألة تمويل الوعود الانتخابية واحدة من أكثر النقاط التي ستخضع للنقاش خلال المرحلة المقبلة، إذ إن الإعلان عن برامج اجتماعية واقتصادية واسعة يحتاج إلى تحديد واضح لمصادر التمويل، وآليات التنفيذ، والجدولة الزمنية، ومدى قدرة الميزانية العمومية على تحمل الكلفة. ومن هنا يأتي مقترح فرض ضريبة على الأرباح الاستثنائية للشركات باعتباره أحد الخيارات التي تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول العدالة الضريبية وتقاسم أعباء الأزمات.
وتعكس تصريحات بنعلي، في مجملها، محاولة لوضع عدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية في قلب النقاش الانتخابي، من خلال الجمع بين تمويل البرامج، وأمن الطاقة، وتشجيع الاستثمار، وتحسين الخدمات الصحية، وتسريع الرقمنة، ودعم التشغيل والتكوين. وبينما تستعد الأحزاب لتقديم وعودها للناخبين، ستظل قدرة كل برنامج على تقديم حلول واقعية وقابلة للتمويل والتنفيذ عاملا حاسما في تقييم مدى جدية هذه الالتزامات خلال المرحلة المقبلة.








التعليقات
0 تعليق