رجاء المتوكل
أعادت قصة سيدة مسنة تدعى «مي حسبية»، تعيش في ظروف اجتماعية وإنسانية قاسية بضواحي مدينة آسفي، النقاش حول الفقر والهشاشة الاجتماعية إلى الواجهة، بعدما كشفت في شريط مصور عن تفاصيل مؤلمة من حياتها اليومية، بينها معاناتها مع الجوع وغياب أبسط شروط السكن والعيش الكريم.
وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي شهادتها على نطاق واسع، وسط موجة من التعاطف والاستنكار، خصوصا بعدما ظهرت السيدة المسنة وهي تقيم في مكان يشبه مغارة أو كهفا وسط الأحجار والأتربة، في وضعية تعكس، بحسب ما يظهر في التسجيل المتداول، حجم العزلة التي تعيشها وغياب مقومات أساسية يفترض أن تتوفر لأي شخص، وخاصة عندما يتعلق الأمر بامرأة في سن متقدمة.
لكن قصة «مي حسبية» لا تقف عند حدود التعاطف مع حالة إنسانية مؤلمة، بل تطرح أسئلة أوسع حول مدى قدرة منظومة الحماية الاجتماعية على الوصول إلى الأشخاص الأكثر هشاشة، خصوصا أولئك الذين يعيشون في مناطق معزولة ولا يملكون الوسائل أو القدرة على الوصول إلى مختلف الخدمات بأنفسهم.
الجوع يدفع «مي حسبية» إلى تناول التراب
من أكثر التصريحات التي أثارت صدمة المتابعين، حديث «مي حسبية» عن الجوع الذي تواجهه عندما ينفد ما لديها من طعام.
وبحسب شهادتها، فإنها تضطر في بعض الحالات إلى تناول التراب للتخفيف من الإحساس بالجوع عندما لا تجد ما تأكله. وهي شهادة قاسية تختصر حجم الحرمان الذي تقول السيدة إنها تعيشه، وتطرح في الوقت ذاته تساؤلات جدية حول الظروف التي يمكن أن تدفع شخصا مسنا إلى بلوغ هذه الدرجة من الحاجة.
ولا يتعلق الأمر هنا فقط بنقص مؤقت في الطعام، بل بوضعية اجتماعية تبدو مركبة، تجمع بين هشاشة السكن والعزلة والحاجة إلى الغذاء والرعاية، ما يجعل التعامل معها يتطلب، إلى جانب المساعدة العاجلة، مواكبة اجتماعية مستمرة.
وتزداد صعوبة الوضع عندما يتعلق الأمر بشخص مسن يعيش بعيدا عن المراكز الحضرية والخدمات، حيث تصبح إمكانية الوصول إلى المساعدة أكثر تعقيدا.
«بغيت غير شوية ديال أتاي والسكر»
وعندما سئلت «مي حسبية» عما تحتاج إليه، لم تتحدث عن متطلبات كبيرة أو تجهيزات مكلفة، بل اكتفت بطلب بسيط: «بغيت غير شوية ديال أتاي والسكر باش نعمّر براد».
وقد تحولت هذه العبارة إلى واحدة من أكثر اللحظات تأثيرا في الشريط المتداول، لأنها تعكس بساطة مطلب السيدة مقارنة بحجم حاجياتها الأساسية.
ففي الوقت الذي يفترض أن يكون فيه المسكن الآمن والغذاء والرعاية الصحية والاجتماعية من الحقوق الأساسية التي تحظى بها الفئات الهشة، اختزلت «مي حسبية» حاجتها في توفير الشاي والسكر، وهو ما جعل شهادتها تلامس مشاعر عدد كبير من المتابعين.
غير أن التعاطي مع مثل هذه الحالات لا ينبغي أن يتوقف عند جمع مساعدات ظرفية، مهما كانت أهميتها، بل يفترض أن يقود إلى مواكبة مستدامة تضمن للشخص المعني ظروف عيش أكثر أمنا واستقرارا.
قصة «مي حسبية» تفتح سؤال الوصول إلى الحماية الاجتماعية
تطرح هذه الحالة سؤالا أساسيا يتعلق بقدرة منظومة الدعم والحماية الاجتماعية على الوصول إلى الأشخاص الذين يعيشون في عزلة.
فالاستفادة من عدد من الخدمات الاجتماعية أصبحت مرتبطة بإجراءات ومساطر وآليات تسجيل ومعطيات إدارية ورقمية، وهي أدوات يمكن أن تسهل الولوج إلى الخدمات بالنسبة إلى فئات واسعة، لكنها قد لا تكون كافية وحدها عندما يتعلق الأمر بأشخاص مسنين أو معزولين لا يتوفرون على الوسائل أو المعرفة اللازمة لاستعمالها.
ومن هنا تبرز أهمية العمل الميداني والرصد الاجتماعي الاستباقي، خاصة في المناطق القروية والنائية، حيث قد توجد حالات هشاشة لا تظهر بسهولة في الإحصاءات أو المنصات، ولا تصل إلى الجهات المعنية إلا بعد تفاقم وضعيتها.
وتحتاج هذه الفئات إلى آليات قادرة على الوصول إليها بدل انتظار أن تتمكن هي من الوصول إلى منظومة الدعم.
هل تكفي المنصات الإلكترونية للوصول إلى الأكثر هشاشة؟
أعادت قصة السيدة المسنة أيضا طرح سؤال العلاقة بين التحول الرقمي في الخدمات الاجتماعية وبين الفئات التي تعاني من الأمية الرقمية أو العزلة أو ضعف القدرة على التواصل.
فالمنصات الإلكترونية يمكن أن تكون أداة مهمة لتسهيل التسجيل والاستفادة من الخدمات، لكنها لا يمكن أن تعوض بالكامل الحضور الميداني، خصوصا بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يستطيعون استعمال الوسائل الرقمية أو لا يعرفون الإجراءات المطلوبة للاستفادة من حقوقهم الاجتماعية.
وفي حالة كبار السن الذين يعيشون بمفردهم، تصبح مسؤولية الرصد والمواكبة أكثر إلحاحا، سواء من خلال المصالح الاجتماعية المختصة أو السلطات المحلية أو الفاعلين الجمعويين.
وتكمن أهمية هذا الدور في تحديد الحالات التي تحتاج إلى تدخل قبل أن تصل إلى مستويات خطيرة من الفقر والإقصاء.
مطالب بتدخل عاجل لفائدة «مي حسبية»
وأمام الوضع الذي ظهرت فيه «مي حسبية»، ارتفعت مطالب من أجل تدخل عاجل لفائدتها، من خلال توفير مسكن آمن ولائق، وضمان حاجياتها الغذائية الأساسية، وتمكينها من الرعاية الطبية الضرورية، إلى جانب مواكبتها اجتماعيا.
ولا تقتصر الحاجة على تدخل ظرفي، بل تبرز ضرورة إدماج الحالة، بعد التحقق منها ميدانيا، ضمن منظومة مستدامة للدعم والحماية الاجتماعية، بما يضمن عدم عودة السيدة إلى الظروف نفسها بعد انتهاء أي مساعدة مؤقتة.
كما أن أي تدخل مسؤول يفترض أن ينطلق من معاينة ميدانية دقيقة لوضعيتها، وتحديد حاجياتها الصحية والاجتماعية والسكنية، ثم وضع آلية مواكبة تتناسب مع وضعها.
من التعاطف على مواقع التواصل إلى الحل المستدام
كثيرا ما تتحول القصص الإنسانية الصادمة إلى موضوع واسع للتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يمكن أن يساهم في لفت الانتباه إلى حالات كانت تعيش في الظل.
غير أن انتشار قصة «مي حسبية» ينبغي ألا يكون الغاية في حد ذاته، بل فرصة لطرح سؤال أعمق حول الحالات المشابهة التي قد لا تصل إلى مواقع التواصل، ولا تحظى بالاهتمام الإعلامي أو المجتمعي.
فإذا كانت عدسة هاتف أو شريط قصير قد كشفت وضعية هذه السيدة للرأي العام، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كم من شخص مسن أو أسرة تعيش في عزلة تحتاج إلى من يصل إليها قبل أن تضطر إلى طلب النجدة عبر مقطع مصور؟
وهنا تتجلى أهمية الدولة الاجتماعية ليس فقط في توفير برامج الدعم، وإنما في ضمان وصولها فعليا إلى مستحقيها، خصوصا الأشخاص الذين تحول ظروفهم دون المطالبة بحقوقهم أو الولوج إلى الخدمات المتاحة.
وتبقى قصة «مي حسبية» من آسفي، بما تحمله من ألم إنساني، مناسبة للتأكيد على أن محاربة الهشاشة لا تتطلب فقط برامج ومساعدات، وإنما تحتاج أيضا إلى رصد ميداني، ومواكبة اجتماعية، وتنسيق بين مختلف المتدخلين، حتى لا يبقى الوصول إلى أبسط شروط العيش الكريم رهينا بانتشار قصة مؤلمة على مواقع التواصل الاجتماعي.








التعليقات
0 تعليق