إعلان
980×90
مساحة إعلانية
مجتمع

وهبي يرفض انتقائية التعاطف بين ضحايا نيويورك وسانتياغو

09:58 · 13/09/2026

هجر إمغري

جدد عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، دعوته إلى تجاوز النظرة الانتقائية التي ترافق استحضار أحداث 11 شتنبر من كل سنة، معتبرا أن التعامل مع المآسي الإنسانية ينبغي أن يقوم على مبدأ واحد لا يفرق بين الضحايا بحسب أماكن وقوع الأحداث أو طبيعة القوى السياسية المرتبطة بها. واستعاد وهبي، في هذا السياق، أحداثا دامية شهدتها مدينة سانتياغو عاصمة الشيلي في التاريخ نفسه من سنة 1973، حين انتهى الانقلاب العسكري إلى إسقاط الرئيس سلفادور أليندي وسقوط عدد كبير من الضحايا.

وأوضح وزير العدل أن استحضار التاريخين لا يعني وضع أحداث مختلفة في خانة واحدة أو تجاهل خصوصية كل واقعة، وإنما يرمي إلى طرح سؤال أكبر يرتبط بكيفية تعامل العالم مع الضحايا، وبالمعايير التي يتم اعتمادها عند تخليد المآسي الإنسانية واستحضار نتائجها. ويرى وهبي أن مرور سنوات طويلة على أحداث سانتياغو لا ينبغي أن يكون سببا في تراجع الاهتمام بها، خصوصا أن الضحايا المدنيين الذين سقطوا خلال تلك المرحلة كانوا جزءا من مأساة سياسية وإنسانية تركت آثارا عميقة في تاريخ الشيلي والمنطقة.

ويستند هذا الموقف إلى فكرة أساسية مفادها أن حقوق الإنسان لا ينبغي أن تخضع لمنطق الانتقاء، إذ لا يمكن أن يصبح التعاطف أكثر قوة عندما يتعلق الأمر بضحايا منطقة معينة، ثم يتراجع عندما يكون الضحايا في بلد آخر أو عندما تكون خلفية الحدث مختلفة سياسيا. ومن هذا المنطلق، يعتبر وهبي أن احترام كرامة الإنسان يفترض اعتماد المبدأ نفسه في التعامل مع مختلف المآسي، بعيدا عن الحسابات السياسية أو الجغرافية التي قد تؤثر في طريقة قراءة الأحداث التاريخية.

وأشار المسؤول الحكومي إلى أنه سبق أن طرح هذه الفكرة في مقال سابق، محاولا لفت الانتباه إلى ما وصفه بانتقائية العواطف عند التعامل مع الأحداث الكبرى. ولم يقدم وهبي المسألة باعتبارها مجرد اختلاف في المواقف العاطفية، بل ربطها أيضا بقراءة تاريخية وسياسية وديمقراطية، مؤكدا أن فهم المآسي الإنسانية يحتاج إلى وضعها في سياقاتها، مع الاحتفاظ بالمبدأ الذي يجعل حياة المدنيين وحقوقهم قيمة غير قابلة للتجزئة.

وفي المقابل، استحضر وهبي الاهتمام الدولي الواسع الذي تحظى به هجمات 11 شتنبر 2001 في الولايات المتحدة، وهي الأحداث التي خلفت قرابة ثلاثة آلاف قتيل بعد اختطاف أربع طائرات مدنية واستعمالها في هجمات استهدفت برجي مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاغون، بينما تحطمت الطائرة الرابعة في ولاية بنسلفانيا. وقد أصبحت هذه الأحداث من أكثر الوقائع حضورا في الذاكرة السياسية والإعلامية العالمية، بالنظر إلى حجمها وتأثيراتها التي تجاوزت حدود الولايات المتحدة وأعادت تشكيل جزء كبير من المشهد الدولي.

ويؤكد وهبي، في المقابل، أن الحضور القوي لضحايا 11 شتنبر في الذاكرة العالمية لا ينبغي أن يقود إلى نسيان ضحايا أحداث أخرى شهدها التاريخ في اليوم نفسه، وفي مقدمتها ما وقع في الشيلي سنة 1973. فقد شهدت سانتياغو في ذلك التاريخ انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس سلفادور أليندي، بعدما تعرض القصر الرئاسي لا مونيدا للقصف من طرف القوات الجوية، في مشهد شكل بداية مرحلة سياسية دامية امتدت لسنوات.

ويعيد هذا الطرح إلى الواجهة شخصية سلفادور أليندي، الذي وصل إلى رئاسة الشيلي عبر الانتخابات، وكان أول سياسي اشتراكي ماركسي يفوز برئاسة دولة في أميركا اللاتينية من خلال صناديق الاقتراع. غير أن تجربته السياسية انتهت بانقلاب عسكري قاده أوغستو بينوشيه، لتدخل البلاد بعد ذلك في مرحلة من الحكم العسكري وما رافقها من انتهاكات واسعة وعمليات قتل واعتقال واختفاء قسري.

ويشدد وهبي على أن المقارنة بين نيويورك وسانتياغو لا تقوم على القول إن الحدثين متطابقان، فلكل واحد منهما ظروفه وأسبابه ونتائجه وسياقه التاريخي والسياسي. غير أن نقطة الالتقاء، بحسب تصوره، تتمثل في حجم المأساة الإنسانية وما خلفته من ضحايا، وهو ما يجعل استحضار الحدثين مناسبة للتأكيد على قيمة الحق في الحياة وعلى ضرورة رفض استهداف المدنيين مهما كانت الجهة التي تقف وراء العنف.

ويطرح هذا الموقف كذلك إشكالية أوسع تتعلق بطريقة صناعة الذاكرة الجماعية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأحداث سياسية دامية تتحول مع مرور الوقت إلى رموز تستحضرها الدول والمجتمعات ووسائل الإعلام بشكل متفاوت. فبعض المآسي تحافظ على حضور قوي في الخطاب الدولي، بينما تتراجع مآس أخرى إلى هامش الذاكرة، رغم ما خلفته من خسائر بشرية وآثار اجتماعية وسياسية لا تزال حاضرة إلى اليوم.

ويربط وهبي هذا النقاش بمبدأ حقوق الإنسان، معتبرا أن الحق الإنساني لا ينبغي أن يكون حكرا على فئة أو شعب أو منطقة دون غيرها. فحين يتعلق الأمر بمدنيين فقدوا حياتهم في ظروف عنيفة، فإن القيمة الإنسانية للضحايا تظل واحدة، ولا يفترض أن تتغير تبعا لهوية الضحية أو مكان وقوع المأساة أو طبيعة الموقف السياسي الذي سبقها أو رافقها.

ويحذر هذا التصور من تحويل التعاطف الإنساني إلى أداة انتقائية، بحيث يتم التركيز على ضحايا دون غيرهم وفق اعتبارات سياسية أو إعلامية. كما يفتح النقاش حول مسؤولية الخطاب السياسي والإعلامي في الحفاظ على ذاكرة الضحايا، وعدم السماح للزمن أو تغير التحالفات الدولية بإعادة ترتيب قيمة المآسي الإنسانية وفق مصالح ظرفية.

ويستحضر وهبي في هذا السياق العبارة التي تختصر موقفه من التاريخين، ومفادها أن الحق الإنساني حق مشترك للإنسانية كلها وليس حكرا على البعض دون غيرهم. وهي رؤية تجعل تخليد ذكرى الضحايا فعلا يتجاوز الحدود الوطنية، وتدفع نحو اعتماد معيار واحد في تقييم المآسي، سواء تعلق الأمر بهجمات إرهابية أو بانقلابات عسكرية أو بأحداث سياسية خلفت قتلى ومدنيين أبرياء.

ويأتي هذا النقاش في وقت لا تزال فيه أحداث 11 شتنبر تشكل محطة بارزة في الذاكرة الدولية، بينما تظل أحداث انقلاب الشيلي واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ أميركا اللاتينية خلال القرن العشرين. وبينما تختلف طبيعة الحدثين بشكل واضح، فإن استحضارهما معا يطرح سؤالا حول قدرة الذاكرة الإنسانية على التعامل مع الضحايا خارج الاصطفافات السياسية، وحول مدى نجاح العالم في تحويل التجارب المأساوية إلى دروس مشتركة بدل استعمالها بشكل انتقائي.

ويخلص موقف وهبي إلى أن احترام الضحايا لا يمكن أن يرتبط بموقعهم على الخريطة ولا بانتماءاتهم السياسية، وأن الدفاع عن حقوق الإنسان يفقد جزءا من معناه عندما يصبح انتقائيا. فالمآسي، مهما اختلفت أسبابها، تترك خلفها عائلات فقدت أفرادا ومجتمعات تحملت آثار العنف، ولذلك فإن التعامل معها يفترض قدرا من الاتساق الأخلاقي والإنساني، بما يضمن ألا تتحول الذاكرة إلى مساحة للانتقاء أو التفضيل بين الضحايا.

وبذلك يعيد وزير العدل فتح النقاش حول يوم 11 شتنبر من زاوية تتجاوز الحدث الأشهر المرتبط بنيويورك، لتستحضر أيضا جرح سانتياغو الذي يعود إلى سنة 1973. وبين التاريخين، يضع وهبي فكرة واحدة في صدارة النقاش: أن قيمة الإنسان لا تتغير بتغير المكان، وأن التعاطف مع الضحايا لا ينبغي أن يكون انتقائيا، لأن حقوق الإنسان، في جوهرها، تقوم على مبدأ المساواة وعدم التمييز.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.