غيب الموت يوم الإثنين 3 غشت 2026، الباحث والمؤرخ حميد التريكي، الذي يعد من أبرز الوجوه العلمية التي نذرت حياتها لصيانة التراث المغربي والنبش في ذاكرة مدن عريقة كآسفي وفاس ومراكش. لم يكتف الراحل بالسرد التاريخي التقليدي، بل غاص في تفاصيل الحياة اليومية والظواهر الاجتماعية، كالمجاعات والأوبئة والعادات الشعبية، محولاً البحث التاريخي إلى أداة لفهم الهوية الوطنية.
شكلت مدينة آسفي محوراً أساسياً في المسار العلمي للراحل، حيث ساهم في تأسيس “جمعية ذاكرة آسفي”، وعمل بجد على تصنيف معالمها التاريخية وإعداد خرائط سياحية تبرز قيمتها الحضارية، بعيداً عن نظرة الحنين العاطفي. وقد أكد منير الشرقي، الكاتب العام للجمعية، أن خبرة التريكي مكنته من التحول إلى خبير دولي ومستشار علمي لدى هيئات كبرى تعنى بالتراث المادي واللامادي.
وعلى الصعيد الدولي، ترك التريكي بصمات واضحة من خلال تعاونه مع مؤسسة “الإرث الأندلسي” في غرناطة، ومعهد العالم العربي بباريس، ومؤسسة آغا خان بجنيف. وقد ركز في أبحاثه على الروابط المتينة بين المغرب والأندلس، معتبراً إياهما وحدة تاريخية وحضارية متداخلة تتجاوز حدود الجغرافيا وتتجسد في الفنون والمعمار وأنماط العيش.
وفي سياق تقريب التاريخ من الجمهور العام، ابتكر الراحل وسائل تواصل غير تقليدية، من أبرزها المعرض المتنقل الذي وثق لألف عام من تاريخ آسفي، مما ساهم في إيصال المعرفة التاريخية لشرائح مجتمعية واسعة. كما خلف وراءه مؤلفات مرجعية، منها دراسته المعمقة حول هوية الطين وفن الخزف الآسفي، الذي اعتبره تجسيداً للتفاعل بين الإنسان والمادة.
وقد خلف رحيله صدمة في الأوساط الأكاديمية والثقافية، حيث نعاه عدد من الباحثين، كخالد بن الصغير وعبد الله فلي ومصطفى محسن، مشيدين بخصاله الإنسانية وتواضعه ودعمه الدائم للباحثين الشباب، فضلاً عن صرامته العلمية. وتظل أعماله الموثقة ومشاريع الحماية التي أشرف عليها إرثاً حياً يضمن استمرارية الذاكرة الوطنية للأجيال المقبلة.








التعليقات
0 تعليق