يضع مؤلف كتاب “الذاكرة الاتحادية” بين يدي القراء مادة توثيقية نادرة، مستعرضاً وثائق ومحاضر اجتماعات المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية التي ظلت طي الكتمان لسنوات طويلة. ويغطي هذا العمل الحقبة الممتدة من أواخر سبعينيات القرن العشرين وصولاً إلى مطلع الألفية الحالية، وهي فترة اتسمت بتحولات مفصلية في المشهد السياسي المغربي وعلاقات القوى الحزبية بالسلطة.
تتجلى قيمة هذا الكتاب في كونه مرجعاً مباشراً ينقل تفاصيل المداولات الداخلية والنقاشات التي ميزت قيادة الحزب، مبتعداً عن الروايات المتداولة لاحقاً. ويقدم المؤلف من خلال مئات الصفحات تفكيكاً لطريقة تدبير الملفات الوطنية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية، إلى جانب قضايا التحالفات السياسية والرهانات التنظيمية التي كانت تشغل بال الفاعلين في تلك المرحلة.
وتكشف المحاضر الموثقة أن انشغالات الحزب لم تقتصر على القضايا السياسية الكبرى، بل امتدت لتشمل التدبير الداخلي للفروع والأقاليم، حيث تظهر الوثائق أن جزءاً كبيراً من التباينات داخل القيادة كان مرتبطاً بآليات العمل التنظيمي أكثر من الخلافات الفكرية. كما يسلط الكتاب الضوء على طبيعة التنسيق بين الحزب وهيئاته الموازية، سواء النقابية أو الشبابية أو الثقافية.
وبالإضافة إلى البعد الوطني، يبرز الإصدار انفتاح الحزب على محيطه الدولي، من خلال توثيق الاتصالات مع قوى اشتراكية عالمية ومتابعة التطورات الإقليمية. كما يخصص الكتاب حيزاً مهماً لمناقشات الخط التحريري للصحافة الحزبية، باعتبارها أداة محورية للتأثير والتواصل، مما يعكس الأهمية التي كان يوليها الحزب لإعلامه كواجهة لمشروعه السياسي.
ويشكل هذا العمل إضافة نوعية للمكتبة السياسية المغربية، إذ يتيح للباحثين والمؤرخين فرصة الاطلاع على أسماء المشاركين في الاجتماعات وجداول الأعمال وطرق اتخاذ القرار. وتأتي هذه الخطوة لتعزز أهمية الأرشيف السياسي كذاكرة جماعية تسمح بقراءة تاريخ المغرب الحديث من خلال وثائق أصلية، بعيداً عن التأويلات الشخصية، مما يساهم في فهم أدق لتاريخ التنظيمات الحزبية وتطورها عبر الزمن.








التعليقات
0 تعليق