إعلان
980×90
مساحة إعلانية
مقالات رأي

ظاهرة التحرش في الفضاءات العامة أزمة عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية

نُشر في

شهد شارع التانكي بمنطقة المنصور في العاصمة العراقية بغداد واقعة أثارت استياءً واسعاً، وذلك بعد تداول مقطع فيديو يوثق ملاحقة مركبات لفتاة كانت تسير في الطريق العام خلال الساعات الأولى من صباح يوم الأحد 9 أغسطس 2026. المقطع الذي انتشر بسرعة على منصات التواصل الاجتماعي دفع السلطات الأمنية للتحرك، حيث أعلنت وزارة الداخلية العراقية عن توقيف عدد من المتورطين في الحادثة، مؤكدة تطبيق الإجراءات القانونية وفقاً للمادة 402 من قانون العقوبات العراقي، والتي تُجرم التعرض للغير في الأماكن العامة بما يخدش الحياء.

تتجاوز هذه الحادثة كونها واقعة محلية، إذ تسلط الضوء على تحدٍ اجتماعي عالمي تعاني منه النساء في مختلف دول العالم. ففي مصر، تشير تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن الشعور بانعدام الأمان في الفضاءات العامة يفرض على النساء قيوداً يومية، بدءاً من تغيير طرق السير وصولاً إلى تعديل السلوكيات الشخصية لتجنب المضايقات. هذا الواقع يتقاطع مع تجارب نساء في مدن أوروبية كبرى مثل باريس، حيث أصبحت قضية الطالبة ماري لاغير عام 2018 رمزاً لرفض الصمت ضد التحرش، بعد تعرضها لاعتداء جسدي عقب اعتراضها على سلوك مسيء في الشارع.

وتتعدد أشكال التحرش بين التحديق، والتعليقات غير اللائحة، والملاحقة بالمركبات، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً للمساحة الشخصية والحق في التنقل الآمن. ففي الهند، دفعت حوادث التحرش الجماعي بمدينة بنغالورو النساء إلى تنظيم حملات للمطالبة بحقهن في استعادة الفضاء العام، بينما كشفت واقعة تعرض رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم للتحرش في نوفمبر 2025 عن أن هذه الظاهرة لا تستثني أحداً، بغض النظر عن المكانة الاجتماعية أو المهنية.

وعلى الرغم من وجود قوانين في العديد من الدول، إلا أن البيانات تشير إلى تفاوت كبير في الاعتراف القانوني بالتحرش في الفضاءات العامة، حيث لا تزال تشريعات الكثير من الدول تركز على أماكن العمل فقط. ويرى مراقبون أن الحل لا يقتصر على النصوص القانونية فحسب، بل يتطلب تغييراً في الثقافة المجتمعية التي تحاول أحياناً إلقاء اللوم على الضحية عبر طرح تساؤلات حول ملابسها أو توقيت خروجها، بدلاً من محاسبة المعتدي.

إن السعي نحو بيئة آمنة يتطلب إعادة النظر في تصميم الفضاءات العامة وتغيير المفاهيم السائدة، بحيث لا تضطر المرأة لتغيير مسارها أو الشعور بالخوف أثناء تجوالها. فالحق في استخدام الشارع دون مضايقات ليس امتيازاً، بل هو حق طبيعي ينبغي أن يتمتع به الجميع، وما حادثة بغداد إلا تذكير بأن الشارع يجب أن يظل مساحة مشتركة للجميع، خالية من الترهيب ومحفوظة بالاحترام المتبادل.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.