أسدل الستار صباح الأحد 9 غشت 2026 على مسار المحامي الفرنسي موريس بوتان، الذي غيبه الموت في جنوب فرنسا عن عمر ناهز 98 عاماً، مخلفاً وراءه إرثاً قانونياً وحقوقياً ارتبط بشكل وثيق بملف اختفاء الزعيم الاتحادي المغربي المهدي بن بركة. لم يكن بوتان بالنسبة لعائلة بن بركة مجرد دفاع قانوني، بل تحول بمرور العقود إلى ذاكرة حية ترفض طي صفحة القضية التي اندلعت خيوطها في باريس يوم 29 أكتوبر 1965.
ترجع جذور معرفة بوتان بالساحة المغربية إلى مولده في مدينة مكناس عام 1928، حيث راكم تجربة مهنية وسياسية مكنته من فهم خبايا المشهد المغربي قبل الاستقلال. هذه المعرفة الميدانية هي التي جعلته يتبنى قضية بن بركة ليس كمجرد ملف جنائي، بل كقضية سياسية متشعبة الأبعاد، حيث حرص خلال محاكمات الستينيات على تقديم سياقات تاريخية دقيقة أمام القضاء الفرنسي لشرح خلفيات الاختفاء.
تجاوزت علاقة المحامي الراحل بأسرة بن بركة حدود المهنة، لتصبح رابطة إنسانية عميقة، حيث كان يُنظر إليه كفرد من العائلة، بناءً على توصية سابقة من المهدي بن بركة نفسه. وقد دفع هذا الالتزام الشخصي بوتان إلى خوض مواجهات قانونية وسياسية كلفته أحياناً منعه من دخول المغرب، لكنه ظل مصراً على مواصلة المسار، معتبراً أن غياب الحقيقة يمثل جرحاً مفتوحاً في الذاكرة السياسية المشتركة بين الرباط وباريس.
على مدى مسيرته الطويلة، لم يكتفِ بوتان بالمرافعات، بل وثق رؤيته في مؤلفات مثل كتابه “بن بركة، الحسن الثاني وديغول”. ومع تطور الملف، أظهر الرجل مرونة في قراءته للأحداث، حيث استبعد في مراحل لاحقة فرضيات معينة حول أدوار دولية، واعتبر بناءً على استنتاجاته الخاصة أن الملك الراحل الحسن الثاني لم يكن يسعى لتصفية بن بركة جسدياً، رغم تحميله المسؤولية السياسية في الملف.
بوفاة موريس بوتان، يُطرح مجدداً السؤال الذي ظل يؤرقه لأكثر من ستة عقود: ما هو المصير النهائي للمهدي بن بركة؟ إذ يرى مراقبون أن رحيل أحد أبرز المدافعين عن كشف هذه الحقيقة لا يعني إغلاق الملف، بل يفتح نقاشاً حول مصير الوثائق والشهادات التي لا تزال طي الكتمان، في قضية ظلت عصية على الحل القضائي رغم مرور أكثر من ستين عاماً.








التعليقات
0 تعليق