أطلق الفقيه والأصولي المغربي، مولود السريري، عملاً علمياً موسوعياً ضخماً يقع في عشرة مجلدات، مخصصاً لشرح كتاب “المستصفى من علم أصول الفقه” للإمام أبي حامد الغزالي. يهدف هذا المشروع الأكاديمي إلى تذليل الصعوبات التي يواجهها الباحثون وطلبة العلوم الشرعية في فهم هذا المرجع التراثي الذي ظل لقرون ركيزة أساسية في الدراسات الأصولية والفقهية واللغوية.
تجاوز السريري في شرحه مجرد تفسير المفردات، حيث عمد إلى تفكيك النصوص وتحليل دلالاتها للكشف عن المقاصد العميقة التي توخاها الغزالي. وقد جاء هذا العمل ثمرة لتجربة طويلة، إذ استأنف السريري مشروعه الذي توقف سابقاً مستغلاً فترة التوقف التي فرضتها ظروف الجائحة عام 2020، مما أتاح له وقتاً كافياً لإتمام هذا الجهد التوثيقي والمعرفي.
اعتمد الشارح منهجية دقيقة تقوم على الوفاء للنص الأصلي مع تقديم إيضاحات ضرورية للقارئ المعاصر. وفي المواضع التي تحتمل أكثر من وجه، كان السريري يعرض الاحتمالات الممكنة تاركاً للقارئ مساحة للنظر والترجيح، مع الحرص على تصحيح ما قد يكون لحق بالنص من أخطاء نسخ أو تصحيف، معتبراً أن فهم “المستصفى” يتطلب استحضار السياق العلمي والفكري الذي صِيغ فيه.
وفيما يخص الجوانب العقدية والكلامية، التزم السريري بنقل تصورات الغزالي كما هي دون إقحام لآرائه الشخصية، مفضلاً دور الشارح الأمين الذي يمنح القارئ أدوات الفهم والتحليل. كما ركز على المصطلحات الأصولية عبر أسلوب يجمع بين التوضيح والاقتصاد، مع تكرار التعريفات لترسيخها في ذهن الطالب، مما يساهم في بناء ملكة أصولية متينة.
يرى السريري أن دراسة “المستصفى” عبر هذا الشرح الموسع ليست مجرد عملية حفظ للقواعد، بل هي تدريب على التفكير النقدي والتحليل العميق للقضايا الشرعية. ويؤكد هذا العمل استمرار حيوية المدرسة العلمية المغربية في العناية بالتراث الإسلامي، من خلال تقديم شروح رصينة تفتح آفاقاً جديدة للباحثين لفهم كيفية بناء الأفكار وترتيب الأدلة عند الغزالي.








التعليقات
0 تعليق