تضع التلويحات الأمريكية بشن حرب اقتصادية على إيران العديد من الدول أمام اختبار صعب، حيث باتت العواصم التي تربطها علاقات تجارية مع طهران مطالبة بالموازنة بين مصالحها الاقتصادية وتجنب التبعات المحتملة للقيود التي قد تفرضها واشنطن. ورغم أن التهديدات لم تتحول بعد إلى إجراءات عملية، إلا أن حجم التبادل التجاري يحدد بشكل كبير مدى انكشاف كل دولة على المخاطر المستقبلية.
تتصدر الصين قائمة الشركاء الأكثر تأثراً، نظراً لاستحواذها على أكثر من ربع التجارة الخارجية الإيرانية. وتظهر بيانات منظمة التجارة العالمية لعام 2024 أن حجم التبادل بين البلدين بلغ حوالي 32.5 مليار دولار، مما يجعل بكين في قلب العاصفة المحتملة، خاصة وأن هذه العلاقات تشمل قطاعات حيوية كالطاقة، والآلات، والمعدات الإلكترونية، وهو ما يضع الشركات الصينية أمام حسابات معقدة في حال توسيع نطاق العقوبات.
على صعيد آخر، اتخذت الإمارات العربية المتحدة خطوة استباقية بوقف التبادل التجاري والمالي مع طهران هذا الأسبوع، وهي خطوة تهدف إلى تحصين اقتصادها من التداعيات. وقبل هذا القرار، كانت الإمارات شريكاً رئيسياً لإيران، حيث سجلت واردات إيران منها نحو 14.81 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من 2025، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية التي كان يمثلها هذا المحور التجاري.
وتعد تركيا من بين الدول التي قد تواجه ضغوطاً مكثفة، نظراً لحجم التبادل التجاري الضخم الذي يربطها بإيران، والذي يتجاوز مليارات الدولارات سنوياً. وتتركز الحساسية في هذا الملف على قطاع الطاقة والمنتجات الهيدروكربونية، مما يفرض على أنقرة تحدياً دبلوماسياً واقتصادياً كبيراً للموازنة بين علاقاتها مع واشنطن واحتياجاتها الطاقية.
أما روسيا، فرغم تواضع حجم تجارتها المباشرة مع إيران مقارنة بالصين أو تركيا، إلا أن علاقاتها تتسم بطابع استراتيجي يمتد ليشمل تطوير مسارات لوجستية عبر بحر قزوين وتبادلات في قطاعات الزراعة والذهب. وبالنسبة للعراق، فإن كفة الميزان التجاري تميل بوضوح لصالح طهران، مما يجعل بغداد في وضع حساس للغاية نظراً لاعتماد السوق العراقية على الصادرات الإيرانية في وقت تحاول فيه الحفاظ على توازن دقيق مع الولايات المتحدة.
وفي سياق متصل، تواصل الهند استيراد كميات من النفط الإيراني رغم انخفاض حجم التجارة الإجمالية بين البلدين بشكل لافت في السنوات الأخيرة. وتشير بيانات تتبع الملاحة إلى عودة تدفق النفط الإيراني نحو الموانئ الهندية، وهو ما قد يضع الشركات الهندية في مواجهة مباشرة مع خيارات صعبة إذا ما قررت واشنطن تضييق الخناق على قطاع التأمين والنقل البحري والتعاملات المصرفية.
وتأتي دول أخرى مثل ألمانيا واليابان والفلبين وسريلانكا في مرتبة أقل انكشافاً نظراً لمحدودية حجم مبادلاتها التجارية مع إيران. ويرى مراقبون أن هذه الاقتصادات تمتلك مرونة أكبر في تقليص تعاملاتها إذا ما ارتفعت التكاليف القانونية أو المالية، مما يقلل من احتمالية تعرضها لخسائر فادحة مقارنة بالقوى الاقتصادية الكبرى.
وختاماً، يبقى المآل النهائي لهذه التطورات رهيناً بطبيعة الإجراءات التي ستعتمدها الإدارة الأمريكية ونطاق شموليتها. ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة إعادة تقييم شاملة للعديد من العقود والالتزامات الدولية، حيث ستجد الدول المرتبطة تجارياً بطهران نفسها أمام خيار اضطراري بين الحفاظ على مصالحها مع إيران أو ضمان استمرار وصولها إلى النظام المالي والأسواق الأمريكية.








التعليقات
0 تعليق