يثير اسم عبد الله إبراهيم، بعد مرور عقود على رحيله، تساؤلات جوهرية حول جوهر العمل السياسي وقيمة المسؤولية في تدبير شؤون الدولة. فبينما يرى البعض في السياسي مجرد باحث عن النفوذ، تبرز شخصية إبراهيم كنموذج استثنائي لرجل دولة ربط بين التكليف السياسي والمشروع الوطني، تاركاً بصمة لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية للمغاربة.
ولد إبراهيم في مراكش عام 1918، ولم يكن مساره السياسي وليد الصدفة أو طموحاً انتخابياً عابراً، بل تشكل في خضم معركة الاستقلال. فقد كان من الوجوه البارزة في الحركة الوطنية، ومن الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، كما زاوج بين النضال الميداني والعمل الفكري من خلال الصحافة، وساهم في تأسيس الاتحاد المغربي للشغل عام 1956، مما صقل شخصيته وجعلها ترفض اختزال العمل العام في مجرد وظيفة.
عندما تولى رئاسة الحكومة في 24 دجنبر 1958، وجد نفسه أمام تحدي بناء مؤسسات دولة حديثة. وعلى مدى 15 شهراً، وتحديداً حتى 20 ماي 1960، تبنت حكومته رؤية استراتيجية مفادها أن السيادة الوطنية لا تكتمل دون استقلال اقتصادي. ومن أبرز معالم تلك الفترة، فصل الفرنك المغربي عن الفرنسي، وإصدار الدرهم كعملة وطنية، وتأسيس مؤسسات استراتيجية كصندوق الإيداع والتدبير والبنك المغربي للتجارة الخارجية.
في قطاع التعليم، سجلت تلك المرحلة قفزة نوعية، حيث ارتفعت نسبة التمدرس من 10 في المائة سنة 1955 إلى 45 في المائة بحلول عام 1960. كما تبنت الحكومة توجهات توحيد ومغربة وتعريب التعليم، مع التركيز على محاربة الأمية وتوسيع قاعدة الاستفادة في العالم القروي والحضري، وهو ما يعكس قناعة إبراهيم الراسخة بأن بناء الدولة يبدأ من تأهيل الإنسان.
ولم تغب العدالة الاجتماعية عن أجندة حكومته، حيث تم إقرار الحد الأدنى للأجور، وإنشاء مفتشية الشغل، وتأسيس الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلى جانب تجميد أسعار المواد الأساسية. كانت فلسفته السياسية تلخصها عبارة شهيرة تُنسب إليه: “لا وطن للعبيد ولا حرية للجائعين”، مما يؤكد ربطه الوثيق بين الحرية السياسية والكرامة الاجتماعية.
بعد مغادرته رئاسة الحكومة، اختار إبراهيم الابتعاد عن المناصب التنفيذية، متفرغاً للعمل الفكري والتدريس الجامعي في العلاقات الدولية، وظل صوتاً مؤثراً في النقاش العمومي. وعند وفاته في 11 شتنبر 2005، كان قد ترك خلفه إرثاً سياسياً يذكر الأجيال بأن المسؤولية ليست امتيازاً، بل هي أداة لصنع مستقبل يبقى أثره بعد رحيل الأشخاص. يبقى التساؤل اليوم، في ظل تغير الحكومات، عما إذا كانت النخب السياسية قادرة على استلهام تلك الروح التي جعلت من عبد الله إبراهيم رمزاً للنزاهة والبناء الوطني.








التعليقات
0 تعليق