كوثر بوجوال
انطلقت، الأحد 13 شتنبر 2026، في مدينة كيب تاون أشغال الدورة التاسعة والستين للمؤتمر البرلماني للكومنولث، في أجواء يخيم عليها الخلاف الدبلوماسي بين نيجيريا وجنوب إفريقيا، بعد قرار أبوجا تعليق زياراتها الرسمية إلى البلد المضيف على خلفية وفاة اثنين من مواطنيها خلال أيام قليلة.
وطالبت الحكومة النيجيرية السلطات الجنوب إفريقية بإجراء تحقيق معمق في ملابسات وفاة الأسقف تايو مايكل فاكنلي، الذي قُتل بالرصاص في منزله بجوهانسبرغ يوم 4 شتنبر، وجيمس أوتشوكوو نوانكو، الذي توفي في اليوم الموالي أثناء وجوده رهن الاحتجاز لدى الشرطة في منطقة سومرست ويست بإقليم الكاب الغربي.
وأدى التصعيد إلى إعلان الجمعية الوطنية النيجيرية تعليق جميع الزيارات الرسمية إلى جنوب إفريقيا، بما يشمل المشاركة في المؤتمر البرلماني للكومنولث، فيما وصفت بريتوريا القرار بأنه «مؤسف» وأبدت استعدادها للحوار مع أبوجا.
مقتل أسقف ووفاة مواطن داخل مركز للشرطة
تعود شرارة التوتر الأخير إلى حادثتين منفصلتين سجلتا مطلع شتنبر الجاري.
وقالت وزارة الخارجية النيجيرية إن الأسقف تايو مايكل فاكنلي قُتل بالرصاص داخل منزله في منطقة كنسينغتون بجوهانسبرغ يوم الجمعة 4 شتنبر.
وبعد ذلك بيوم واحد، توفي المواطن النيجيري جيمس أوتشوكوو نوانكو أثناء وجوده رهن الاحتجاز لدى الشرطة في سومرست ويست، بإقليم الكاب الغربي.
وأثارت وفاة نوانكو انتقادات مباشرة من الخارجية النيجيرية لأجهزة إنفاذ القانون في جنوب إفريقيا، إذ نددت بما وصفته بأساليب استجواب «غير مقبولة».
ولا تتضمن المعطيات المتاحة نتائج تحقيق قضائي أو طبي نهائي يحدد أسباب وفاة نوانكو أو المسؤوليات المحتملة، لذلك تبقى الاتهامات والملاحظات النيجيرية في إطار المواقف الرسمية المطالبة بالتحقيق.
أبوجا تطالب بتحقيق معمق
أعربت وزارة الخارجية النيجيرية عن قلقها إزاء حوادث العنف التي طالت مواطنيها في جنوب إفريقيا، معتبرة أن الوقائع الأخيرة تثير تساؤلات بشأن سلامة الرعايا الأجانب ومدى قدرة السلطات على حمايتهم.
كما تحدثت الوزارة عن ضرورة وقف ما وصفته بـ«الهجمات المستهدفة»، وهي صياغة تعكس الموقف النيجيري من سلسلة الحوادث التي تقول إنها طالت مواطنيها.
وتطالب أبوجا بإجراء تحقيقات تكشف الملابسات الدقيقة للحالتين الأخيرتين وتحدد المسؤوليات في حال وجود تجاوزات.
وجاء هذا التحرك في ظل تراكم شكاوى نيجيرية سابقة بشأن أمن مواطنيها المقيمين في جنوب إفريقيا، ولا سيما في جوهانسبورغ ومناطق أخرى تضم جالية نيجيرية مهمة.
البرلمان النيجيري يعلق زياراته إلى جنوب إفريقيا
لم يقتصر الموقف النيجيري على وزارة الخارجية، إذ أعلنت الجمعية الوطنية تعليق جميع الزيارات الرسمية إلى جنوب إفريقيا.
وشمل القرار عدم المشاركة في الدورة التاسعة والستين للمؤتمر البرلماني للكومنولث المنعقد في كيب تاون.
ووصف رئيس مجلس الشيوخ النيجيري غودسويل أكبابيو ورئيس مجلس النواب عباس تاجودين هذه الخطوة بأنها «رد حازم ومتزن» على ما يعتبرانه تهديدات تطال النيجيريين في الخارج.
وتمنح المقاطعة البرلمانية للخلاف بعدا سياسيا ودبلوماسيا إضافيا، خصوصا أن المؤتمر يشكل مناسبة تجمع وفودا برلمانية واسعة لمناقشة قضايا الحكامة والديمقراطية والهجرة وحقوق الإنسان.
جنوب إفريقيا تأسف للقرار وتدعو للحوار
من جهته، وصف وزير العلاقات الدولية والتعاون الجنوب إفريقي رونالد لامولا القرار النيجيري بأنه «مؤسف»، لكنه أكد استعداد بلاده لمواصلة الحوار مع أبوجا.
وشدد المسؤول الجنوب إفريقي على أهمية الحفاظ على العلاقات الثنائية بين البلدين، مع إقراره بالصعوبات التي تواجهها بعض مكونات الجالية النيجيرية في جنوب إفريقيا، خاصة في جوهانسبورغ.
كما كشف أن نيجيريا سبق أن قدمت إلى السلطات الجنوب إفريقية قائمة تضم نحو 100 مواطن نيجيري تعتقد أنهم توفوا في حوادث سابقة داخل البلاد، موضحا أن الجانب الجنوب إفريقي أكد بدوره وقوع حالات الوفاة المعنية.
ولا يعني تأكيد وقوع الوفيات إقرارا بالأسباب أو المسؤوليات التي تنسبها الأطراف المختلفة إليها، إذ تظل ملابسات كل حالة موضوعا مستقلا يتطلب التحقق.
السفير النيجيري يتحدث عن ثماني وفيات منذ بداية العام
قدم سفير نيجيريا لدى جنوب إفريقيا، فيمي فاني-كايودي، أرقاما تعكس حجم القلق الذي تعبر عنه بلاده.
وقال إن حالتي الوفاة الأخيرتين رفعتا إلى ثمانية عدد المواطنين النيجيريين الذين قُتلوا في جنوب إفريقيا منذ بداية السنة الجارية.
وأضاف أن أربعة على الأقل من هؤلاء يُعتقد، بحسب المعطيات النيجيرية، أنهم قُتلوا على أيدي أفراد من الشرطة الجنوب إفريقية.
كما تحدث السفير عن وفاة أكثر من 100 مواطن نيجيري في جنوب إفريقيا منذ سنة 2022، قائلا إن أكثر من 30 حالة يُعتقد أنها ارتبطت بأفراد من الشرطة أو قوات الدفاع الوطني.
وتظل هذه الأرقام والتوصيفات منسوبة إلى المسؤول النيجيري، في ظل غياب نتائج قضائية مفصلة ضمن المعطيات المتاحة تثبت المسؤولية في كل حالة على حدة.
توترات أمنية سبقت الأزمة الحالية
ليست مخاوف نيجيريا بشأن أمن مواطنيها في جنوب إفريقيا جديدة، إذ سبق لعدد من الدول الإفريقية اتخاذ إجراءات مرتبطة بسلامة رعاياها داخل البلاد.
وبحسب المعطيات الواردة، قامت نيجيريا إلى جانب غانا ومالاوي وكينيا وزيمبابوي في فترات سابقة بإعادة بعض مواطنيها من جنوب إفريقيا بسبب مخاوف أمنية.
وتبرز هذه السوابق حساسية ملف المهاجرين والجاليات الإفريقية في جنوب إفريقيا، وهو موضوع يعود بصورة دورية إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي.
وتواجه سلطات بريتوريا تحديا يتمثل في معالجة الشكاوى المتعلقة بالعنف، وفي الوقت نفسه منع تحول الحوادث الفردية أو الخلافات الأمنية إلى أزمات دبلوماسية مع دول القارة.
مؤتمر كيب تاون ينطلق وسط غياب نيجيري
بالتوازي مع هذا التوتر، تستقبل كيب تاون نحو 800 مندوب للمشاركة في المؤتمر البرلماني للكومنولث، الذي تستمر أعماله ستة أيام.
وستتناول المناقشات مجموعة من الملفات، من بينها الهجرة وحقوق الإنسان والحكامة العالمية والديمقراطية والقانون الدولي.
ووصف البرلمان الجنوب إفريقي المؤتمر بأنه منصة رفيعة المستوى للحوار حول القضايا التي تواجه البرلمانات والديمقراطيات المعاصرة.
وتكتسب مناقشة ملف الهجرة أهمية خاصة بالنسبة إلى البلد المضيف، في ظل الجدل الداخلي المستمر حول المهاجرين والأجانب والأمن والاندماج.
وقالت نائبة رئيس الجمعية الوطنية الجنوب إفريقية، أنلي لوتريت، إن الهجرة ستكون ضمن جدول أعمال المؤتمر، ووصفتها بأنها مسألة «حساسة وصعبة للغاية» بالنسبة إلى جنوب إفريقيا.
حقوق الإنسان والهجرة في قلب مفارقة المؤتمر
يمنح غياب الوفد النيجيري أشغال المؤتمر بعدا إضافيا، بالنظر إلى أن أحد الملفات المنتظر نقاشها يتعلق بحقوق الإنسان والهجرة، وهما المجالان الموجودان في صلب التوتر الحالي بين أبوجا وبريتوريا.
فنيجيريا تريد تحقيقات واضحة بشأن سلامة مواطنيها وظروف وفاة بعضهم، بينما تقول جنوب إفريقيا إنها مستعدة لمناقشة المخاوف والحفاظ على العلاقات الثنائية.
وتبقى كيفية تعامل السلطات الجنوب إفريقية مع التحقيقات في الحالتين الأخيرتين عاملا أساسيا في تحديد اتجاه الخلاف الدبلوماسي بين نيجيريا وجنوب إفريقيا، وما إذا كان تعليق الزيارات الرسمية سيبقى إجراء مؤقتا أم سيمتد إلى مجالات أخرى.
وفي الوقت الذي تستمر فيه جلسات مؤتمر الكومنولث بكيب تاون، ستكون الأنظار موجهة أيضا إلى مسار الاتصالات بين البلدين، خصوصا أن الطرفين يعدان من أبرز القوى السياسية والاقتصادية في القارة الإفريقية، ما يجعل احتواء الخلاف يتجاوز قضية ثنائية ليهم توازن العلاقات داخل القارة.









التعليقات
0 تعليق