تجد آلاف الأسر المغربية نفسها في مواجهة واقع اجتماعي واقتصادي معقد، حيث أضحى امتلاك سكن رئيسي هاجساً يؤرق الطبقة المتوسطة، في ظل تصاعد مستمر في أسعار العقارات وتآكل القدرة الشرائية. لم يعد اقتناء منزل قراراً عادياً للاستقرار، بل تحول إلى التزام مالي طويل الأمد يرهن مداخيل الأسر لعقود من الزمن، مما يضطر الكثيرين إلى تأجيل طموحاتهم السكنية أو إعادة النظر فيها بشكل جذري.
تتجلى حدة هذه الأزمة في الحواضر الكبرى، حيث يرتفع الطلب بشكل مطرد نتيجة النمو الديمغرافي، بينما لا يواكب العرض السكني هذا التزايد، خاصة في الفئات التي تتناسب مع دخل الطبقة المتوسطة. ويلاحظ أن المشاريع العقارية الحديثة غالباً ما تستهدف شرائح ذات قدرة شرائية مرتفعة، مما يدفع الباحثين عن السكن نحو الضواحي البعيدة التي تفرض بدورها تحديات لوجستية وتكاليف إضافية ترتبط بالتنقل وضعف المرافق الحيوية.
لا تقتصر كلفة السكن على ثمن العقار وحده، بل تتفاقم بسبب مصاريف التمويل البنكي والرسوم الإدارية والتأمينات، مما يثقل كاهل المشترين بمديونية طويلة الأمد تؤثر على جودة حياتهم واحتياجاتهم الأساسية الأخرى كالصحة والتعليم. وفي المقابل، يعزو مهنيو القطاع هذا الغلاء إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، بما في ذلك أسعار الأراضي والمواد الأولية وأجور اليد العاملة، فضلاً عن تعقيدات المساطر الإدارية التي تعيق وتيرة إنجاز المشاريع.
في ظل هذا الضغط، يتجه العديد من المواطنين نحو سوق العقار المستعمل داخل المدن كبديل أكثر جاذبية، نظراً لقربه من مراكز الخدمات والمرافق العمومية. وعلى صعيد آخر، تراهن السلطات على برامج الدعم المباشر لاقتناء السكن للتخفيف من حدة الأزمة، وقد مكنت هذه المبادرات فئات واسعة من الشباب والنساء والمغاربة المقيمين بالخارج من الولوج إلى الملكية، إلا أن الطلب لا يزال يتجاوز بكثير حجم العرض المتاح.
تستدعي هذه الوضعية مقاربة شمولية توازن بين ضرورة تشجيع الاستثمار العقاري وضمان حق المواطن في سكن لائق بأسعار معقولة. إذ يظل تحقيق الاستقرار الاجتماعي مرتبطاً بتبسيط الإجراءات الإدارية، وتحفيز بناء وحدات سكنية موجهة للطبقة المتوسطة، مع تطوير البنيات التحتية في الضواحي لتصبح فضاءات عيش متكاملة وليست مجرد خيار اضطراري، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات الاقتصادية للمرحلة المقبلة.








التعليقات
0 تعليق