يصادف اليوم الحادي والعشرون من شهر غشت مرور 611 سنة على سقوط مدينة سبتة في قبضة البرتغاليين عام 1415، وهي الواقعة التي شكلت منعطفاً حاسماً في تاريخ المدينة، ومثلت أولى خطوات التوسع البرتغالي داخل القارة الإفريقية قبل أن تنتقل لاحقاً إلى السيادة الإسبانية، لتتحول إلى ملف سيادي دائم الحضور في أجندة العلاقات المغربية الإسبانية.
تأتي هذه الذكرى في ظرفية تتسم بعودة مدينة سبتة إلى واجهة التجاذبات السياسية والإعلامية بين البلدين، متأثرة ببعض التوترات التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة، مما أعاد تسليط الضوء على الموقع الجيوسياسي للمدينة وحمولتها التاريخية في النزاع الثنائي.
تاريخياً، بدأت فصول هذا التغيير في صيف عام 1415 عندما أطلق الملك البرتغالي جواو الأول حملة عسكرية كبرى استهدفت المدينة، بمشاركة أسطول ضخم ضم أبناء الملك، من بينهم الأمير إنريكي المعروف بلقب “هنري الملاح”. وتؤكد تقارير تاريخية أن هذا الحدث لم يكن مجرد واقعة عسكرية عابرة، بل اعتبرته منظمة اليونسكو إيذاناً ببدء حقبة جديدة من النفوذ الأوروبي في إفريقيا.
تكتسب سبتة أهميتها الاستراتيجية من موقعها الفريد عند مدخل مضيق جبل طارق، حيث تشكل نقطة ربط حيوية بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، مما جعلها على مر العصور مطمعاً للقوى الطامحة للسيطرة على الممرات البحرية والتجارة الدولية، وهو ما يفسر الاهتمام البالغ الذي أولته القوى الاستعمارية لهذا الثغر المتوسطي.
وعلى الرغم من خضوع المدينة للحكم البرتغالي لقرون طويلة، إلا أن وضعها القانوني عرف تحولاً جوهرياً خلال فترة الاتحاد بين البرتغال وإسبانيا ما بين 1580 و1640. ومع استعادة البرتغال لاستقلالها، فضلت سبتة البقاء تحت التاج الإسباني، وهو التوجه الذي كرسته معاهدة السلام المبرمة بين الدولتين عام 1668، لتبدأ منذ ذلك الحين مرحلة السيادة الإسبانية التي لا تزال آثارها البرتغالية ظاهرة في معالم المدينة.
انتقل هذا الملف إلى أروقة الدبلوماسية الدولية عقب حصول المغرب على استقلاله عام 1956، حيث بادرت الرباط إلى طرح قضية سبتة ومليلية ضمن ملفات الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسبانية. وتوثق سجلات الأمم المتحدة، لا سيما محاضر اللجنة الرابعة في ستينيات القرن الماضي، تبايناً حاداً في المواقف بين الوفدين المغربي والإسباني، حيث استند كل طرف إلى قراءات تاريخية وقانونية مختلفة لتبرير موقفه من السيادة على المدينتين.
إن استحضار ذكرى 21 غشت اليوم لا يقتصر على سرد وقائع الماضي البعيد، بل يعكس استمرار التجاذب حول وضع المدينة الذي يظل حاضراً في الخطاب السياسي كلما طفت التوترات على سطح العلاقات بين الرباط ومدريد. وبينما تصر إسبانيا على اعتبار سبتة جزءاً من ترابها، يظل الموقف المغربي ثابتاً في المطالبة بإنهاء وضعها الحالي، مما يجعلها ملفاً مفتوحاً يختزل تاريخاً طويلاً من العلاقات المتشابكة والمصالح المشتركة التي لم تفلح بعد في طي صفحة النزاع السيادي.








التعليقات
0 تعليق