تثير الدعوات المتصاعدة داخل بعض الدوائر الإسبانية لشن حرب تجارية ضد المغرب تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة مدريد على تحمل تبعات هذا الخيار، في ظل تشابك المصالح الاقتصادية والأمنية التي تربط البلدين. وتتجاوز هذه العلاقة الخلافات السياسية العابرة، لتشمل شبكة واسعة من التعاون في مجالات الاستثمار، النقل، السياحة، وملفات الهجرة والأمن، مما يجعل أي مواجهة اقتصادية سلاحاً ذا حدين.
وتشير بيانات وزارة الخارجية الإسبانية إلى أن حجم المبادلات التجارية بين الطرفين بلغ 22.693 مليار أورو خلال سنة 2024، حيث بلغت الصادرات الإسبانية نحو المملكة 12.859 مليار أورو، مقابل واردات بقيمة 9.834 مليار أورو. هذه الأرقام لا تمنح إسبانيا فائضاً تجارياً فحسب، بل تؤكد أن السوق المغربية باتت ركيزة أساسية لنشاط آلاف الشركات الإسبانية التي تجد في المملكة شريكاً استراتيجياً في القارة الإفريقية.
ويتجلى الحضور الإسباني في مشاريع بنيوية كبرى، مثل عقد شركة “CAF” لتزويد المكتب الوطني للسكك الحديدية بقطارات بقيمة تقارب 600 مليون أورو، وقيادة شركة “ACCIONA” لائتلاف إنجاز محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء باستثمارات تصل إلى 613 مليون أورو. هذه الالتزامات طويلة الأمد تجعل من الصعب تقنياً وقانونياً التراجع عن الشراكات القائمة تحت ضغوط سياسية لحظية.
وعلى الجانب الآخر، تدرك الرباط أن السوق الإسبانية تكتسي أهمية بالغة، لكنها تمتلك في الوقت ذاته مرونة في تنويع شركائها التجاريين، مع تزايد المنافسة من شركات فرنسية وألمانية وصينية وتركية تسعى لتعزيز وجودها في المغرب. ورغم أن إعادة ترتيب سلاسل التوريد قد تستغرق وقتاً وتتطلب تكاليف إضافية، إلا أنها تظل خياراً متاحاً في ظل عالم تجاري مفتوح.
ولا يمكن عزل الملف الاقتصادي عن التعاون الأمني، خاصة في ملف الهجرة غير النظامية. وتظهر أرقام عملية “مرحبا” لسنة 2025، التي سجلت عبور 3.49 ملايين مسافر و857 ألف مركبة، حجم التنسيق اللوجستي والأمني المكثف بين البلدين. كما يساهم السياح المغاربة في إنعاش الاقتصاد الإسباني، بإنفاق وصل إلى 1.084 مليار أورو خلال 2025، بزيادة قدرها 16.7 في المائة عن العام الذي سبقه.
وخلاصة القول، فإن المصالح المتبادلة تفرض واقعاً يغلب عليه التداخل بدل القطيعة. فإذا كانت الدعوات إلى الحرب التجارية تبدو جذابة في الخطاب السياسي، فإن الواقع الاقتصادي يفرض منطقاً مغايراً؛ حيث إن أي تصعيد سيؤدي بالضرورة إلى إلحاق الضرر بالشركات الإسبانية والمصالح المغربية على حد سواء، مما يجعل التفاوض والحفاظ على استقرار الشراكة الخيار الأكثر منطقية وجدوى للطرفين.








التعليقات
0 تعليق