تثير السياسات التي انتهجتها الإدارة الإسبانية خلال فترات تصفية وجودها الاستعماري تساؤلات جوهرية حول المسؤولية التاريخية عن بؤر التوتر المشتعلة في مناطق متفرقة من العالم. ويشير مراقبون إلى أن أسلوب الانسحاب العشوائي الذي اعتمدته مدريد لم يكن مجرد صدفة، بل اتخذ طابعاً ممنهجاً أدى إلى خلق فراغات مؤسساتية وسياسية في أقاليم واسعة، مما حولها إلى ساحات للصراعات الإقليمية.
وفي سياق تعاملها مع قضية الصحراء المغربية، اعتمدت إسبانيا استراتيجية المماطلة وتجزئة الحلول، وهو ما انعكس في تأخر استرجاع المغرب لأقاليمه، بدءاً من طرفاية عام 1958 وصولاً إلى سيدي إفني سنة 1969. وبلغت هذه الارتجالية ذروتها في نونبر 1975 مع توقيع اتفاقية مدريد الثلاثية، حيث دفعت الأزمات الداخلية الإسبانية آنذاك، وتصاعد الضغط الشعبي المغربي عبر المسيرة الخضراء، مدريد إلى الخروج المتعجل دون ترتيبات قانونية دقيقة، مما فتح الباب أمام أطراف خارجية لاستغلال الوضع ودعم ميليشيات البوليساريو.
ولا ينفصل هذا السلوك عن الوضع القائم في شمال المملكة، حيث تظل مدينتا سبتة ومليلية المحتلتان تجسيداً لإرث استعماري يرفض الانتهاء، ويؤثر بشكل مباشر على التوازنات الجيوسياسية في المنطقة. وتتجاوز آثار هذه السياسة النطاق الإقليمي لتشمل إفريقيا الاستوائية، إذ أدى الانسحاب الإسباني المتسرع من غينيا الاستوائية في عام 1968 إلى ترك البلاد دون مؤسسات وطنية، وهو ما مهد الطريق لظهور أنظمة ديكتاتورية كرسها غياب الرؤية الاستراتيجية للقوة المستعمرة السابقة.
وتعود جذور هذا النهج الإسباني إلى القرن التاسع عشر، حينما تخلت مدريد عن جزر مالفيناس الأرجنتينية في عام 1811 بشكل غير قانوني، مما أضعف موقف الأرجنتين وسمح للمملكة المتحدة بوضع يدها على الجزر عام 1833. وقد أدت هذه الخطوة التاريخية إلى دفع كلفة باهظة من الدماء خلال حرب الفوكلاند عام 1982، التي شهدت معارك بحرية وجوية طاحنة وتسببت في خسائر بشرية ومادية كبيرة.
خلاصة القول إن العقيدة الدبلوماسية الإسبانية، التي اتسمت بالتخلي عن المسؤوليات الدولية وتصدير الأزمات الداخلية، ساهمت بشكل مباشر في رسم خرائط ملغومة. لقد أدى هذا التوجه إلى تحويل سياسة الهروب الإسبانية إلى محرك أساسي للنزاعات الدولية التي لا تزال تداعياتها مستمرة إلى اليوم.








التعليقات
0 تعليق