كشفت المعطيات الأولية للاستحقاقات التشريعية الأخيرة عن ملامح خارطة سياسية مغربية جديدة، حافظت فيها الأحزاب الثلاثة المكونة للائتلاف الحكومي المنتهية ولايته على ثقلها البرلماني، مع رصد صعود لافت لحزب العدالة والتنمية الذي يستعد للتموقع في صفوف المعارضة، بينما تبرز مؤشرات حول إمكانية تبدل موازين القوى داخل الأغلبية لصالح حزب الأصالة والمعاصرة.
تتجه الأنظار حالياً نحو سيناريو استمرار التحالف الحكومي القائم، نظراً لما يوفره من أغلبية مريحة تناهز 228 مقعداً، مما يسهل عملية تشكيل الحكومة وتمرير القرارات، إلا أن هذه التشكيلة قد تشهد تغييرات في توزيع الأدوار والحقائب الوزارية. كما يطرح المشهد السياسي احتمالاً تاريخياً يتمثل في تعيين امرأة على رأس السلطة التنفيذية، حيث يتداول متابعون اسم فاطمة الزهراء المنصوري كمرشحة محتملة، وهو خيار يظل رهيناً بالتقدير الملكي وفقاً لمقتضيات الدستور.
من جهة أخرى، سجلت نسبة المشاركة التي توقفت عند 38 في المائة مؤشرات دالة على استمرار الفجوة بين جزء من المواطنين والعملية السياسية، لا سيما فئة الشباب. وتعكس هذه النسبة حالة من الترقب الاجتماعي المرتبط بملفات حيوية كالبطالة، وغلاء المعيشة، وتحديات قطاعي التعليم والصحة، وهي ملفات ستشكل الاختبار الحقيقي للحكومة القادمة في سعيها لاستعادة ثقة الشارع.
وعلى صعيد المعارضة، من المتوقع أن يمنح صعود حزب العدالة والتنمية زخماً جديداً للعمل البرلماني، حيث يُنتظر أن يمارس الحزب دوراً رقابياً صارماً على السياسات العمومية. هذا التوازن بين أغلبية متماسكة ومعارضة قوية قد يساهم في رفع مستوى النقاش التشريعي وإلزام الجهاز التنفيذي بمزيد من الحذر والنجاعة في تدبير الشأن العام.
تنتظر الحكومة المقبلة أجندة حافلة بالاستحقاقات الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها الإشراف على التحضيرات الخاصة بتنظيم كأس العالم، وهو ملف يتطلب سرعة في الإنجاز وجودة في التنفيذ. إلى جانب ذلك، تظل القضايا الدبلوماسية، وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية وتعزيز الشراكات الدولية، أولوية استراتيجية تتطلب كفاءات قادرة على المزاوجة بين التدبير التقني والعمل السياسي.
ختاماً، تبقى عملية توزيع الحقائب الوزارية وتطعيم الحكومة بكفاءات تقنوقراطية إلى جانب القيادات الحزبية رهاناً صعباً، حيث تسعى الأحزاب إلى ترجمة نتائجها الانتخابية إلى حضور وازن، بينما يظل الهدف الأسمى هو تحقيق نتائج ملموسة تلامس انتظارات المواطنين وتدفع بعجلة التنمية في ظل ظروف إقليمية ودولية متسارعة.








التعليقات
0 تعليق