لم تعد العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل العمق السوري مجرد إجراءات ميدانية روتينية لتأمين الحدود، بل أضحت تعكس استراتيجية ممنهجة لفرض واقع جيوسياسي جديد يمتد من الجولان المحتل وجبل الشيخ وصولاً إلى أطراف العاصمة دمشق. وتثير هذه التوغلات المتكررة، التي تشمل إقامة حواجز عسكرية وعمليات قصف، تساؤلات حول النوايا الإسرائيلية الحقيقية في ظل ضعف القدرات الدفاعية للجيش السوري وانشغال السلطة الجديدة بتثبيت أركان الدولة.
وتشير تسريبات من داخل الأوساط العسكرية الإسرائيلية إلى وجود نقاشات حول إمكانية التوغل بعمق أكبر نحو دمشق، إلا أن هذه الطروحات لم تتحول إلى قرارات سياسية رسمية حتى الآن. ويأتي هذا الحذر نظراً للمخاطر الجسيمة التي قد تترتب على خطوة مماثلة، والتي قد تشعل فتيل صراع إقليمي واسع يتجاوز الحدود السورية ليضع تل أبيب في مواجهة مباشرة مع تركيا، التي باتت تعتبر نفوذها في سوريا خطاً أحمر.
وتعد بلدة “بيت جن” في ريف دمشق الغربي نموذجاً حياً لهذا التوسع، حيث تحولت محيطاتها إلى ساحة لعمليات التوغل بالآليات الثقيلة والجرافات، تزامناً مع تحركات مماثلة في ريفي القنيطرة ودرعا. هذه التحركات، التي تزامنت في إحدى مراحلها مع زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق، تؤكد رغبة إسرائيل في خلق منطقة نفوذ واسعة تمنع القوات السورية الجديدة من التمركز أو نشر أسلحة ثقيلة قرب الجولان.
من جانبها، تتابع أنقرة هذا التوسع بقلق بالغ، خاصة مع دعمها المستمر لحكومة أحمد الشرع ومساهمتها في إعادة هيكلة وتدريب الجيش السوري. وتعتبر إسرائيل أن هذا الدعم التركي يهدد أمنها، مما دفعها لاستهداف قاعدة “أبو الظهور” العسكرية، وهو ما اعتبره مراقبون رسالة تهديد مباشرة لأنقرة. وقد أكد المبعوث الأميركي توم براك أن هذه الضربة تمت دون تنسيق مسبق، مما دفع واشنطن للسعي نحو إيجاد آلية لمنع الاحتكاك المباشر بين الطرفين.
وفي الوقت الذي صعدت فيه تركيا من لهجتها السياسية عبر انتقادها لمحاولات إسرائيل زعزعة استقرار سوريا، فإنها لا تزال تتبنى سياسة ضبط النفس وتجنب الانجرار إلى حرب شاملة. وتركز أنقرة حالياً على تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي، مع ترقب زيارة محتملة للرئيس رجب طيب أردوغان إلى دمشق، والتي في حال حدوثها ستشكل نقلة نوعية في العلاقات بين البلدين.
وفي ظل هذا التجاذب، يبرز مصطلح “ممر داوود” في التحليلات السياسية كسيناريو لممر بري يربط الجولان بالعراق، ورغم غياب وثائق رسمية تؤكد وجوده، إلا أن التحركات الإسرائيلية على الأرض تغذي المخاوف من مخططات لتقويض سيادة دمشق. وبينما تسعى تركيا لبناء حليف قوي في دمشق، تحاول إسرائيل ضمان بقاء الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح، مما يجعل سوريا ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية وتتأرجح بين احتمالات التصعيد المحدود أو الانزلاق إلى مواجهة شاملة.








التعليقات
0 تعليق