كشفت دراسة اقتصادية حديثة أن سوق الشغل في المغرب لا يخضع لمنطق إداري موحد، بل يتأثر بتفاعلات معقدة تتجاوز الحدود الجغرافية للجماعات الترابية. وأظهرت المعطيات أن فرص العمل ومعدلات البطالة ترتبط بشكل وثيق بالديناميات الاقتصادية للمناطق المجاورة، مما يجعل من تقييم الوضع المهني بناءً على التقسيمات الإدارية وحدها أمراً غير كافٍ لرصد الواقع الفعلي.
وتم تصنيف الجماعات المغربية إلى خمس فئات متباينة بناءً على مؤشرات تشمل حجم الاستثمارات، ومستوى التأهيل التعليمي، ومدى حضور المؤسسات العمومية والقطاع الخاص. وتتراوح هذه التصنيفات بين مناطق تتمتع بنشاط خدماتي متوسط، وأخرى تعاني من هشاشة هيكلية تتسم بضعف الاستثمار وتدني المؤهلات العلمية، مقابل جماعات تشكل أقطاباً اقتصادية متكاملة تستقطب اليد العاملة بفضل كثافة مقاولاتها.
كما رصدت التحليلات مفارقات في بعض المناطق التي تتوفر على موارد بشرية مؤهلة تعليمياً، لكنها تفتقر إلى فرص شغل توازي هذه المؤهلات، مما يضطر السكان إلى التنقل خارج محيطهم السكني بحثاً عن عمل. وفي المقابل، تظهر جماعات أخرى تعتمد بشكل شبه كلي على القطاع العام كمحرك أساسي للدخل، في ظل غياب أو ضعف مبادرات القطاع الخاص.
وتشير النتائج إلى وجود ترابط وثيق في معدلات البطالة بين الجماعات المتجاورة، إذ غالباً ما تؤدي الأزمات الاقتصادية في منطقة ما إلى انعكاسات سلبية على المناطق المحيطة بها. وفي المقابل، يمكن للمراكز الصناعية والإدارية الكبرى أن تساهم في إنعاش محيطها عبر خلق فرص شغل ورفع الطلب على الخدمات والنقل والسكن، وهو ما يؤكد أن سوق الشغل يعمل كشبكة مترابطة.
وفيما يخص العلاقة بين التعليم والبطالة، دعت الدراسة إلى الحذر في القراءات الأولية، موضحة أن ارتفاع نسب البطالة بين المتعلمين قد يعود إلى فجوة بين التخصصات الأكاديمية وحاجيات السوق المحلي. لذا، يبرز التحدي في ضرورة مواءمة التكوين المهني مع الخصوصيات الاقتصادية لكل منطقة، مع التركيز على تحسين شبكات النقل لربط مناطق السكن بمراكز العمل.
وخلصت التقديرات إلى أن مواجهة تحديات التشغيل في المغرب تتطلب تجاوز الحلول المركزية واعتماد سياسات ترابية متكاملة. ويشمل ذلك تشجيع الاستثمار في المناطق الهشة لتقليل الاعتماد على الوظيفة العمومية، وتعزيز التعاون بين الجماعات المتجاورة لخلق أقطاب اقتصادية متكاملة تضمن توزيعاً أكثر عدالة للفرص التنموية.








التعليقات
0 تعليق