هجر إمغري
واصلت البنوك المغربية توسيع نشاطها خلال النصف الاول من سنة 2026، مستفيدة من ارتفاع الطلب على التمويل وتزايد حجم الودائع، غير ان هذا التطور تزامن مع ضغوط متزايدة فرضتها أسعار الفائدة على مداخيل عدد من الانشطة المرتبطة بالسوق، وهو ما انعكس على وتيرة نمو النتائج المالية للمؤسسات البنكية المدرجة في بورصة الدار البيضاء.
وأظهرت المعطيات المالية للنصف الاول من السنة ان البنوك المغربية السبعة المدرجة حققت ناتجا بنكيا صافيا مجمعا يقارب 49.8 مليار درهم عند نهاية يونيو، مسجلا نموا محدودا في حدود 1.5 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. ويعكس هذا الرقم، في الوقت ذاته، استمرار قدرة القطاع على تحقيق النمو، رغم الظروف التي فرضت ضغوطا على بعض مصادر الدخل.
وكشفت النتائج عن اختلاف واضح بين بداية السنة وبقية اشهر النصف الاول، بعدما تراجع الناتج البنكي الصافي بنسبة 4.4 في المائة خلال الربع الاول، قبل ان يستعيد مساره التصاعدي خلال الربع الثاني مسجلا نموا بنسبة 7.1 في المائة. ويبرز هذا التحول مدى تأثر أداء البنوك بتطورات السوق المالية وتكلفة الأموال، خصوصا في فترة اتسمت بارتفاع حاجيات الخزينة الى التمويل.
وتأثرت مداخيل الانشطة السوقية بشكل خاص بمستويات أسعار الفائدة، في وقت شهدت فيه السوق المحلية عمليات مهمة لجمع التمويلات. وفرضت هذه الظروف تحديات اضافية امام المؤسسات البنكية التي وجدت نفسها مطالبة بالحفاظ على هوامشها المالية، بالتزامن مع استمرار ارتفاع تكلفة بعض مصادر التمويل وتقلبات الاسواق.
واستفادت البنوك، في المقابل، من تحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية التي دعمت النشاط البنكي خلال الفترة نفسها. وساهم بقاء التضخم في مستويات منخفضة، الى جانب تحسن الموسم الفلاحي مقارنة بالسنة الماضية، في توفير ظروف اكثر ملاءمة لنمو مجموعة من الانشطة الاقتصادية. كما واصلت قطاعات البناء والعقار تسجيل دينامية مهمة، مدفوعة خصوصا بالمشاريع والاستثمارات المرتبطة بالتحضير لاستحقاقات كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
ودعمت عوامل اخرى النتائج البنكية، من بينها الاداء الجيد لقطاع التأمين على الحياة، اضافة الى ارتفاع أسعار المعادن، وهو ما ساعد بعض المؤسسات على مواجهة التراجع المسجل في مداخيل الانشطة السوقية. وبذلك بدا القطاع البنكي خلال النصف الاول من 2026 وكأنه يتحرك بسرعتين، الاولى مرتبطة بالنشاط البنكي التقليدي الذي واصل التوسع، والثانية مرتبطة بالاسواق التي ظلت اكثر حساسية لتحركات أسعار الفائدة.
وحافظ التجاري وفا بنك على موقعه في مقدمة المؤسسات البنكية من حيث الناتج البنكي الصافي، بعدما بلغ حوالي 18.4 مليار درهم، محققا نموا بنسبة 4 في المائة. واحتل البنك المركزي الشعبي المرتبة الثانية بحوالي 13.5 مليار درهم، غير ان نتائجه سجلت تراجعا بنسبة 3.2 في المائة، وهو ما انعكس بشكل واضح على الأداء المجمع بالنظر الى الوزن الكبير الذي تمثله المجموعة داخل القطاع.
وسجل بنك أفريقيا بدوره ناتجا بنكيا صافيا في حدود 10.5 مليار درهم، بزيادة بلغت 1.5 في المائة. وحققت المؤسسات البنكية الاخرى نتائج متفاوتة، حيث ارتفع الناتج البنكي الصافي لمصرف المغرب بنسبة 7.8 في المائة ليصل الى حوالي 1.9 مليار درهم، بينما سجل سي اف جي بنك نموا بنسبة 6 في المائة، وحقق القرض العقاري والسياحي زيادة بلغت 2.8 في المائة، في حين ارتفع الناتج البنكي الصافي للبنك المغربي للتجارة والصناعة بنسبة 1 في المائة.
وعززت القروض موقعها كأحد ابرز محركات النشاط البنكي خلال النصف الاول من السنة، بعدما تجاوز الرصيد المجمع للتمويلات التي منحتها البنوك السبعة 1300 مليار درهم عند نهاية يونيو، مقابل حوالي 1235 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية. ويعكس هذا الارتفاع استمرار الطلب على التمويل من جانب المقاولات والاسر، رغم استمرار الاقتراض في مواجهة تكلفة ليست منخفضة.
وساهمت المجموعات البنكية الكبرى في الجزء الاكبر من هذا الرصيد، اذ تجاوزت قروض التجاري وفا بنك 464 مليار درهم، بينما بلغت قروض البنك المركزي الشعبي حوالي 338 مليار درهم، في حين تجاوزت تمويلات بنك أفريقيا 243 مليار درهم. وتوزعت هذه التمويلات بين قروض موجهة الى المقاولات لتمويل الاستثمار والتجهيز والخزينة، واخرى مخصصة للاسر، خصوصا في مجالي السكن والاستهلاك.
وسجل القرض العقاري والسياحي نموا لافتا في رصيد القروض، بعدما ارتفع من حوالي 92.9 مليار درهم الى ما يقارب 119 مليار درهم، بينما اقترب نمو قروض سي اف جي بنك من 20 في المائة، متجاوزا بذلك مستوى 20 مليار درهم. كما ارتفعت قروض مصرف المغرب الى حوالي 64.3 مليار درهم، ووصلت قروض البنك المغربي للتجارة والصناعة الى نحو 59.4 مليار درهم.
وتزامن ارتفاع القروض مع استمرار نمو الودائع، التي شكلت موردا اساسيا لتمويل النشاط البنكي. وقاربت قيمة الودائع المجمعة لدى البنوك السبعة 1500 مليار درهم عند نهاية يونيو، مدفوعة خصوصا بارتفاع الودائع تحت الطلب لدى الاسر والمقاولات، الامر الذي يعكس استمرار تدفق الموارد المالية نحو المؤسسات البنكية.
وتجاوز القرض العقاري والسياحي للمرة الاولى عتبة 100 مليار درهم من الودائع، بعدما بلغت حوالي 102.2 مليار درهم مقابل 89.7 مليار درهم قبل سنة. كما ارتفعت ودائع سي اف جي بنك من 18.9 مليار درهم الى 22.1 مليار درهم، في حين وصلت ودائع مصرف المغرب الى حوالي 63.9 مليار درهم، وبلغت ودائع البنك المغربي للتجارة والصناعة نحو 51.7 مليار درهم.
ويعكس هذا المسار استمرار الثقة في القطاع البنكي وقدرته على تعبئة الادخار وتحويل جزء مهم منه الى تمويلات موجهة نحو الاقتصاد. كما يكشف في الوقت نفسه عن استمرار حاجة المقاولات والاسر الى التمويل، سواء لتغطية الاستثمارات والمشاريع او لاقتناء السكن وتمويل الاستهلاك.
ويظهر من خلال هذه المؤشرات ان البنوك المغربية تمكنت من الحفاظ على دينامية نشاطها الاساسي، رغم الضغوط التي واجهتها في انشطة السوق. فارتفاع القروض والودائع يؤكد ان العلاقة بين المؤسسات البنكية والاقتصاد الحقيقي ظلت قوية خلال النصف الاول من السنة، بينما ادى تأثير أسعار الفائدة الى الحد من النمو الاجمالي للناتج البنكي الصافي.
ويرتبط مستقبل أداء القطاع البنكي بمدى قدرته على تحقيق توازن بين توسيع التمويلات والحفاظ على قاعدة قوية من الودائع، وبين التحكم في تكلفة الأموال ومواجهة التحولات التي تعرفها الاسواق المالية. كما سيكون لتطور النشاط الاقتصادي والاستثمار والعقار والبناء دور مهم في تحديد مستوى الطلب على القروض خلال الفترة المقبلة.
وتمنح هذه المعطيات صورة عن قطاع بنكي يواصل التوسع من خلال نشاطه التقليدي، لكنه يواجه في الوقت نفسه مرحلة تتطلب قدرة اكبر على التكيف مع المتغيرات المالية. وبينما تواصل القروض والودائع تسجيل مستويات مرتفعة، ستظل أسعار الفائدة عاملا اساسيا في تحديد هوامش البنوك ومداخيلها، خصوصا اذا استمرت الضغوط على السوق وتكاليف التمويل خلال الاشهر المقبلة.








التعليقات
0 تعليق