هجر إمغري
أعادت إجراءات الانضباط داخل المؤسسات التعليمية المغربية الجدل حول الطريقة التي ينبغي أن تدار بها الحياة المدرسية، بعدما شرعت مجموعة من المدارس مع بداية الموسم الدراسي الجديد في التشديد على احترام النظام الداخلي، خصوصا ما يتعلق باستعمال الهواتف النقالة داخل الفضاء المدرسي، إلى جانب الالتزام بمظهر وهندام يتلاءم مع طبيعة المؤسسة التعليمية.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق تسعى فيه المؤسسات التعليمية إلى توفير أجواء أكثر هدوءا وتركيزا داخل الفصول الدراسية، في ظل تنامي استعمال الهواتف الذكية بين التلاميذ وما يرتبط بها من ممارسات قد تؤثر على سير الدروس وعلى العلاقة بين مختلف مكونات المجتمع المدرسي. وفي المقابل، يطرح تشديد القواعد أسئلة حول حدود المنع، وكيفية تطبيقه، والوسائل التي يمكن اعتمادها لضمان احترام النظام دون تحويل المؤسسة التعليمية إلى فضاء قائم فقط على العقوبات والصرامة.
ويرى عدد من الفاعلين التربويين أن منع استعمال الهاتف داخل الأقسام أصبح مطلبا مرتبطا بواقع جديد فرضته التكنولوجيا على المدرسة المغربية، بعدما تحول الهاتف من وسيلة للتواصل إلى جهاز متعدد الوظائف يمكن أن يشتت انتباه التلميذ ويؤثر على تركيزه أثناء الحصة. كما أن بعض الاستعمالات غير الملائمة قد تفتح الباب أمام مشكلات أكثر تعقيدا، خصوصا عندما يتم تصوير الأساتذة أو التلاميذ دون موافقتهم، أو استخدام الهاتف للتواصل مع جهات خارج المؤسسة أثناء وقت الدراسة.
ويؤكد المدافعون عن منع الهواتف في المدارس أن الغاية من الإجراء لا ترتبط بالتكنولوجيا في حد ذاتها، وإنما بطريقة استخدامها داخل فضاء يفترض أن تكون الأولوية فيه للتعلم والتحصيل. ولذلك يبرز اقتراح اعتماد آليات عملية تسمح للتلاميذ بإيداع هواتفهم في أماكن مخصصة خلال ساعات الدراسة، بدل الاكتفاء بإصدار قرار بالمنع دون توفير الوسائل التي تساعد على تطبيقه بشكل منظم.
وفي السياق نفسه، يبرز موضوع الهندام باعتباره جزءا آخر من النقاش المتعلق بالنظام الداخلي للمؤسسات التعليمية. فقد أصبحت مجموعة من المدارس أكثر تشددا في التعامل مع المظهر العام للتلاميذ، انطلاقا من اعتبار أن اللباس داخل المؤسسة ينبغي أن يحترم طبيعتها التعليمية وأن ينسجم مع قواعد السلوك المعتمدة فيها.
ويعتبر مؤيدو هذا التوجه أن ضبط الهندام لا يستهدف حرية التلاميذ في التعبير عن ذواتهم، بقدر ما يسعى إلى الحفاظ على طابع المؤسسة التعليمية باعتبارها فضاء للتعلم والانضباط. كما يرون أن وجود قواعد واضحة بشأن اللباس والمظهر يمكن أن يساعد على تفادي الخلافات اليومية، خصوصا إذا كانت هذه القواعد معروفة مسبقا لدى التلاميذ وأسرهم ومحددة بطريقة واضحة وغير قابلة للتأويل المتضارب.
وبالرغم من ذلك، فإن تطبيق مقتضيات النظام الداخلي لا يبدو مهمة سهلة، خاصة مع اختلاف مواقف الأسر والتلاميذ تجاه بعض القرارات. فكل بداية موسم دراسي تحمل معها نقاشا متجددا حول طبيعة القواعد التي ينبغي احترامها داخل المدرسة، ومدى قدرة المؤسسات على فرضها، إضافة إلى المسؤولية المشتركة بين الأسرة والمدرسة في ترسيخ ثقافة الانضباط لدى التلميذ.
ويشدد فاعلون تربويون على أن المقاربة التربوية يجب أن تظل الأساس في التعامل مع غالبية السلوكيات التي تصدر عن التلاميذ، لأن الهدف النهائي للعملية التعليمية لا يقتصر على فرض الأوامر، بل يتجاوز ذلك إلى بناء شخصية متوازنة قادرة على فهم القواعد واحترامها والاقتناع بأهميتها.
وفي المقابل، تفرض بعض الحالات اعتماد قدر أكبر من الحزم، خصوصا عندما يتعلق الأمر بسلوكيات متكررة تؤثر بشكل مباشر على الأستاذ أو باقي التلاميذ أو تعطل سير الحصة الدراسية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إيجاد توازن بين التربية والانضباط، حتى لا يتحول التساهل إلى فوضى، ولا تتحول الصرامة المفرطة إلى مصدر توتر داخل المؤسسة.
ويظل الأستاذ في قلب هذا النقاش، باعتباره الطرف الذي يواجه بشكل مباشر مختلف السلوكيات داخل الفصل الدراسي. لذلك فإن توفير الظروف المناسبة له لأداء مهمته أصبح جزءا أساسيا من أي نقاش حول إصلاح الحياة المدرسية، سواء تعلق الأمر بالهواتف أو الهندام أو غيرهما من مظاهر السلوك التي يمكن أن تؤثر على العملية التعليمية.
كما أن نجاح أي قرار مرتبط بالنظام الداخلي لا يتوقف فقط على صياغته، وإنما يعتمد بدرجة كبيرة على طريقة تنزيله. فالقواعد الواضحة تحتاج إلى تواصل مسبق مع التلاميذ والأسر، كما تحتاج إلى إجراءات موحدة حتى لا يشعر المتعلمون بوجود اختلاف في تطبيقها من مؤسسة إلى أخرى أو حتى بين الأقسام داخل المؤسسة نفسها.
ويطرح هذا الواقع أيضا مسؤولية أكبر على الأسر، باعتبارها شريكا أساسيا في العملية التربوية. فاحترام النظام المدرسي يبدأ في كثير من الأحيان من المنزل، من خلال توعية التلميذ بأهمية التركيز أثناء الدراسة، واحترام الأستاذ، والمحافظة على خصوصية الآخرين، والالتزام بالمظهر والسلوك المناسبين داخل المؤسسة.
وبذلك، يبدو أن الجدل حول منع الهواتف وضبط الهندام يتجاوز مسألة إصدار تعليمات داخلية، ليعكس نقاشا أوسع حول المدرسة التي يراد بناؤها، وحدود الحرية والمسؤولية داخلها، وكيف يمكن الجمع بين التطور التكنولوجي والحاجة إلى الحفاظ على التركيز والانضباط.
ويحتاج تنزيل هذه الإجراءات، في نهاية المطاف، إلى رؤية واضحة تجمع بين التربية والوقاية والحزم، مع منح المؤسسات التعليمية الوسائل القانونية والتنظيمية الكافية للتعامل مع الحالات المختلفة. فنجاح النظام الداخلي لا يقاس بعدد القواعد التي يتضمنها، وإنما بمدى قدرة المدرسة على تحويلها إلى سلوك يومي يساهم في حماية حق التلميذ في التعلم وحق الأستاذ في العمل داخل بيئة مستقرة ومحترمة.
ومع استمرار النقاش حول مستقبل المدرسة المغربية، ستظل قضية الهواتف والهندام والانضباط حاضرة بقوة، خصوصا في ظل التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة. وبين من يرى في المنع وسيلة ضرورية لحماية العملية التعليمية، ومن يدعو إلى اعتماد مقاربة أكثر مرونة وتدرجا، يبقى التحدي الأساسي هو الوصول إلى قواعد مفهومة وعادلة وقابلة للتطبيق، تجعل المؤسسة التعليمية فضاء للتعلم والتربية في آن واحد.








التعليقات
0 تعليق