كوثر بوجوال
دخلت العلاقة بين الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين والأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين مرحلة جديدة من التوتر، بعدما أصدرت الجمعية بلاغا استنكرت فيه ما ورد في تدوينة للأمين العام للحزب، معتبرة أن مضمونها تجاوز حدود الخلاف السياسي أو المهني إلى عبارات رأت فيها تجريحا شخصيا وتحقيرا وإساءة إلى رئيس الجمعية.
ولم تتعامل الجمعية مع التدوينة باعتبارها موقفا فرديا عابرا، بل ربطتها بالصفة التي اختار أوزين توقيعها بها بصفته أمينا عاما لحزب سياسي، وهو ما اعتبرته يحمّل الخطاب مسؤولية إضافية بالنظر إلى الموقع الحزبي الذي يشغله.
ويأتي السجال في توقيت سياسي حساس، قبل انطلاق الحملة الانتخابية لاقتراع 23 شتنبر، ما يضفي على الخلاف بعدا إضافيا يتجاوز العلاقة بين شخصين ليصل إلى علاقة حزب سياسي بمؤسسة مهنية تمثل جزءا من قطاع الإعلام والنشر.
الجمعية تعتبر التدوينة إساءة إلى مؤسسة مهنية
قالت الجمعية في بلاغها إن العبارات الواردة في تدوينة أوزين لا تنسجم، في تقديرها، مع ما تفرضه المسؤولية السياسية من انضباط في الخطاب واحترام للمؤسسات المهنية.
واعتبرت أن الإساءة إلى رئيس الجمعية بسبب صفته ومواقفه لا تستهدفه شخصيا فقط، بل تمتد آثارها، حسب تصورها، إلى المنظمة المهنية التي يرأسها، وإلى الناشرين والصحافيين الذين اختاروه لتمثيلهم.
وترى الجمعية أن موقع الأمين العام لحزب سياسي يفرض مستوى مختلفا من المسؤولية في التعبير، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمؤسسة مهنية وطنية.
كما شددت في بلاغها على أن ما صدر عن أوزين، بحسب تقييمها، «لا يرقى إلى مستوى المسؤولية السياسية ولا إلى مكانة زعيم حزب».
توقيع أوزين بصفته الحزبية زاد حدة الموقف
أحد العناصر التي ركزت عليها الجمعية يتعلق بطريقة تقديم أوزين لموقفه.
فبحسب البلاغ، لم يكتب تدوينته باعتباره مواطنا أو شخصية عامة فقط، بل وقعها بصفته الأمين العام لحزب الحركة الشعبية.
وهذا التفصيل اعتبرته الجمعية سببا يجعل الموضوع يتجاوز نزاعا شخصيا أو ردة فعل عابرة.
فحين يصدر موقف عن مسؤول حزبي بصفته التنظيمية، يصبح قابلا لأن يُقرأ باعتباره جزءا من خطاب سياسي يرتبط بالمؤسسة التي يمثلها، وهو ما رفع، في نظر الجمعية، من درجة حساسية الموضوع.
وفي المقابل، يبقى مضمون تدوينة أوزين وتفسير دوافعها ومقصده منها جزءا من موقفه السياسي والشخصي، فيما يعكس بلاغ الجمعية قراءتها الخاصة لهذا الخطاب.
خلاف قديم يعود إلى السطح
لم يبدأ التوتر، وفق بلاغ الجمعية، مع التدوينة الأخيرة فقط.
فالجمعية أعادت التذكير بمحطات سابقة قالت إنها شكلت عناصر في تدهور العلاقة مع الأمين العام للحركة الشعبية.
ومن بين هذه المحطات تصريحات نسبت إلى أوزين عقب واقعة الاعتداء على طاقم «شوف تيفي» بخنيفرة ووادي إفران أثناء تغطية أوضاع سكان متضررين من الأمطار الطوفانية.
وقالت الجمعية إن الواقعة كانت موضوع شكايات لدى الأمن الوطني والدرك الملكي، واستحضرتها في بلاغها باعتبارها جزءا من سياق سابق من التوتر.
ويظهر من ذلك أن الخلاف الحالي لا يُفهم، بالنسبة إلى الجمعية، باعتباره حادثا منفصلا، بل حلقة جديدة في علاقة متوترة شهدت أكثر من احتكاك خلال الفترة الماضية.
عبارة «قطاع الفراقشية» تعود مجددا
استحضرت الجمعية أيضا تصريحات سابقة قالت إن أوزين أدلى بها خلال مناقشة مشروع تجديد هياكل المجلس الوطني للصحافة في البرلمان.
وبحسب البلاغ، وصف أوزين الجمعية حينها بعبارة «قطاع الفراقشية»، وهو ما اعتبرته الجمعية تعبيرا مسيئا ومؤشرا على موقف سلبي تجاهها.
وتعيد هذه الإشارة النقاش حول حدود النقد السياسي للمؤسسات المهنية، وبين حق المسؤول السياسي في توجيه انتقادات حادة وبين ضرورة الحفاظ على خطاب لا يتحول إلى تجريح شخصي أو مؤسساتي.
كما يعكس الخلاف وجود أزمة ثقة بين الطرفين، لم تنجح المواقف السابقة في تجاوزها، بل يبدو أنها تراكمت إلى أن انفجرت مجددا عبر التدوينة الأخيرة.
قرار بتجاهل أنشطة الحركة الشعبية
أعلنت الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، على خلفية السجال، قرارها تجاهل أنشطة حزب الحركة الشعبية وأمينه العام.
ويحمل هذا القرار دلالة مهنية وسياسية في توقيت انتخابي، باعتبار أن الأحزاب تدخل مرحلة تحتاج فيها إلى تغطية إعلامية مكثفة لأنشطتها وبرامجها ومرشحيها.
غير أن الجمعية لم تقدم القرار في صيغة دعوة عامة ملزمة لكل وسائل الإعلام، بل باعتباره موقفا صادرا عنها تجاه الحزب وأمينه العام.
كما اتهمت أوزين، وفق تعبير البلاغ، بالسعي إلى ترتيبات قالت إنها تهدف إلى التأثير في التغطية الإعلامية المرتبطة بالحملة الانتخابية للحزب.
وتبقى هذه الاتهامات منسوبة للجمعية ولم يقدم النص المعروض معطيات مستقلة تثبتها، لذلك تظل في إطار الموقف الذي عبرت عنه المنظمة المهنية.
الجمعية تلوح بكشف ما تعتبره تجاوزات
لم يتوقف البلاغ عند الاعتراض على التدوينة أو إعلان تجاهل أنشطة الحزب.
فالجمعية قالت إنها ستتحمل مسؤوليتها في كشف ما تعتبره تجاوزات مرتبطة بالتسيير الجماعي وتمثيل الناخبين داخل المؤسسات التشريعية.
وهذا الموقف يرفع مستوى التصعيد بين الطرفين، إذ ينقل الخلاف من رد على تدوينة إلى احتمال فتح نقاش أوسع حول مسار سياسي وانتخابي.
غير أن أي ادعاءات أو اتهامات مستقبلية ستظل بدورها بحاجة إلى معطيات دقيقة وتوثيق واضح، خاصة في سياق انتخابي ترتفع فيه حساسية الخطاب وتكثر فيه المواجهات السياسية والإعلامية.
ماذا يعني الخلاف قبيل الحملة الانتخابية؟
يأتي هذا السجال في وقت تستعد فيه الأحزاب لانطلاق الحملة الانتخابية، وهو ما يجعل العلاقة مع وسائل الإعلام جزءا مهما من معركة التواصل مع الناخبين.
فالأحزاب تحتاج إلى الصحافة لنقل برامجها ومواقفها، بينما تحتاج وسائل الإعلام إلى الحفاظ على استقلاليتها وقدرتها على التغطية والنقد دون ضغوط سياسية.
ولهذا يصبح أي توتر بين حزب ومؤسسة مهنية إعلامية أكثر حساسية في هذه المرحلة.
كما أن قرار تجاهل أنشطة حزب معين يفتح بدوره نقاشا مهنيا حول حدود رد الفعل المؤسساتي، وكيف يمكن التوفيق بين الدفاع عن كرامة الصحافيين والناشرين وبين ضمان حق الرأي العام في متابعة أنشطة مختلف الفاعلين السياسيين.
حرية النقد وحدود التجريح
يفتح الملف سؤالا أوسع يتعلق بطبيعة الخطاب السياسي تجاه الإعلام.
فمن حق المسؤولين السياسيين نقد وسائل الإعلام والجمعيات المهنية والاعتراض على مواقفها أو طريقة اشتغالها، كما من حق المؤسسات الإعلامية الرد والدفاع عن أعضائها.
لكن نقطة التوتر تبدأ عندما يتحول النقد، في نظر أحد الطرفين، إلى تجريح أو تحقير شخصي.
وهو ما دفع الجمعية إلى التشديد على أن المسؤولية السياسية تقتضي، من وجهة نظرها، الحفاظ على مستوى معين من الانضباط في الخطاب، خاصة عندما يكون المتحدث في موقع قيادي حزبي.
أزمة ثقة أكثر من كونها تدوينة عابرة
تكشف التطورات الحالية أن الخلاف بين محمد أوزين والجمعية الوطنية للإعلام والناشرين يتجاوز منشورا واحدا على مواقع التواصل الاجتماعي.
فالبلاغ يستحضر تراكمات سابقة، ويعيد طرح تصريحات ومواقف قديمة، قبل أن يصل إلى قرار بتجاهل أنشطة حزب الحركة الشعبية.
وفي المقابل، يظل من الضروري الفصل بين ما هو ثابت من مواقف معلنة وما هو اتهام صادر عن أحد أطراف النزاع، خصوصا في ظل الأجواء السياسية المصاحبة للانتخابات.
وبذلك، تبدو تدوينة أوزين مجرد شرارة أعادت خلافا أقدم إلى الواجهة، بينما تتجه العلاقة بين الطرفين إلى مزيد من التوتر في مرحلة تتطلب، أكثر من أي وقت مضى، وضوح الحدود بين النقد السياسي والاستقلال المهني والخطاب المسؤول.









التعليقات
0 تعليق