إعلان
980×90
مساحة إعلانية
أخبار دولية

ملف الاستيطان الإسرائيلي.. هـل يعـيد الشـرق الأوسـط تشكيل السياسة الخارجية البريطانية؟

09:54 · 11/09/2026

ياسر الرقاص 

دخلت إسرائيل إلى قلب النقاش السياسي البريطاني من بوابة الاستيطان، لكنها سرعان ما تجاوزت حدود الملف الفلسطيني لتتحول إلى اختبار أوسع لسياسة لندن الخارجية، وحدود قدرتها على الموازنة بين المصالح الاستراتيجية والالتزامات القانونية والضغوط السياسية الداخلية.

وتكشف الإجراءات البريطانية الأخيرة ضد النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية أن الحكومة في لندن تتجه إلى التعامل مع الملف بمنطق مختلف؛ فالمستوطنات لم تعد في الخطاب الرسمي البريطاني قضية تثير القلق الدبلوماسي فقط، بل باتت مرتبطة بإجراءات تستهدف الجهات والأموال والأنشطة التي ترى لندن أنها تساعد على توسيعها.

وجاء هذا التصعيد في سياق أشد حساسية مع اعتراض بريطانيا وحلفائها على مشروع E1 الاستيطاني، الذي تعتبره لندن تهديدا مباشرا لإمكان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. وفي سبتمبر 2026، أعلنت الحكومة البريطانية عن خطوات جديدة تستهدف النشاط الاستيطاني، مبررة ذلك بالحاجة إلى حماية حل الدولتين ومواجهة ما تعتبره تقويضا متزايدا لفرص التسوية.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق بحجم العقوبات أو عدد الجهات المستهدفة، بل بما تكشفه هذه الإجراءات عن تغير داخل بريطانيا نفسها: كيف انتقل الملف الإسرائيلي من قضية في السياسة الخارجية إلى عامل يعيد ترتيب النقاش السياسي والقانوني في وستمنستر؟

البرلمان يرفع سقف المواجهة

شهد مجلس العموم البريطاني خلال 2026 نقاشا متصاعدا حول طبيعة العلاقة التجارية مع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي يوليو، خصص البرلمان جلسة لمناقشة مقترح حظر التجارة مع المستوطنات، في مؤشر على أن القضية خرجت من دائرة البيانات الحكومية إلى مساحة النقاش التشريعي والسياسي المباشر.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن النقاش لم يعد محصورا في سؤال التعاطف مع الفلسطينيين أو انتقاد السياسة الإسرائيلية، وإنما أصبح يدور حول مسؤولية بريطانيا عن طبيعة العلاقات التجارية والاقتصادية المرتبطة بأراض تعتبرها لندن محتلة.

وتتبنى الحكومة البريطانية أصلا موقفا واضحا من المستوطنات، إذ تعتبرها غير قانونية بموجب القانون الدولي وعقبة أمام السلام وتهديدا لإمكان تطبيق حل الدولتين.

ويضع هذا الانتقال من الموقف السياسي إلى الإجراءات العملية الحكومة أمام سؤال أكثر صعوبة: إذا كانت لندن تعتبر نشاطا ما مخالفا للقانون الدولي، فما الحدود التي يمكن أن تصل إليها في ترجمة هذا الموقف إلى سياسة اقتصادية وتجارية؟

إسرائيل تدخل الحسابات الداخلية البريطانية

لم يعد الجدل حول إسرائيل محصورا في وزارة الخارجية البريطانية. فالبرلمان، والمنظمات الحقوقية، والجماعات المدنية، وحتى الناخبون، أصبحوا أطرافا مؤثرة في تحديد مساحة الحركة المتاحة للحكومة.

وتشير بيانات الرأي العام البريطانية إلى تحول واضح في المزاج تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني مقارنة بالسنوات السابقة، مع تزايد الانتقادات الموجهة إلى السياسة الإسرائيلية وارتفاع التأييد البريطاني لمواقف أكثر تشددا تجاهها. وتظهر بيانات YouGov أيضا أن تقييم البريطانيين للموقف الحكومي من الصراع أصبح موضوعا سياسيا قائما بذاته.

وهنا تظهر معادلة جديدة أمام الحكومة: لم يعد بإمكان لندن إدارة الملف باعتباره شأنا خارجيا منفصلا عن السياسة الداخلية، لأن كل خطوة تجاه إسرائيل أصبحت قابلة لأن تتحول إلى مادة للجدل داخل البرلمان، وإلى اختبار للحكومة أمام الرأي العام.

وبذلك أصبحت تل أبيب، بصورة غير مباشرة، جزءا من النقاش البريطاني حول هوية السياسة الخارجية نفسها.

القانون الدولي يضغط على حسابات المصالح

تواجه بريطانيا مفارقة دقيقة. فمن جهة، تريد الحفاظ على شبكة واسعة من المصالح الأمنية والدفاعية والاقتصادية المرتبطة بإسرائيل. ومن جهة أخرى، تريد تقديم نفسها كدولة تدافع عن النظام الدولي القائم على القواعد.

وتزداد حساسية هذه المعادلة مع ارتفاع مستوى الإجراءات البريطانية. ففي يونيو 2026 أعلنت لندن، بالتنسيق مع فرنسا وكندا والنرويج، عقوبات استهدفت جهات وأفرادا قالت إنهم مرتبطون بتمويل أو تمكين أو تنفيذ أعمال عنف للمستوطنين في الضفة الغربية.

وتظهر أهمية الخطوة في كونها تعكس انتقالا من إدانة السلوك إلى محاولة فرض تكلفة عليه.

لكن هذا المسار يفتح بابا آخر للنقاش: هل تستطيع بريطانيا أن تطبق المعيار نفسه بصورة متماسكة على جميع الملفات الدولية، أم أن التعامل مع إسرائيل سيظل محكوما بسقف المصالح الأمنية والتحالفات الغربية؟ وذلك السؤال قد يكون أكثر إزعاجا للحكومة البريطانية من أي خلاف دبلوماسي مع تل أبيب.

تحتل منطقة E1 موقعا خاصا في هذا التحول. فالمشروع الاستيطاني في المنطقة الواقعة شرق القدس يثير مخاوف بريطانية وغربية من أن يؤدي تنفيذه إلى تقطيع التواصل الجغرافي داخل الضفة الغربية وإضعاف إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيا.

وقد ربطت الحكومة البريطانية وحلفاؤها اعتراضهم على المشروع بمستقبل حل الدولتين، معتبرين أن خلق وقائع جديدة على الأرض قد يجعل هذا الحل أكثر صعوبة.

لهذا اكتسب E1 وظيفة تتجاوز الجغرافيا، فقد أصبح اختبارا لما إذا كانت العواصم الغربية قادرة على الانتقال من التحذير إلى الفعل عندما ترى أن سياسة إسرائيلية معينة تهدد الأساس الذي تقول إنها تدافع عنه سياسيا.

وفي الحالة البريطانية، يتحول هذا الاختبار إلى سؤال داخلي أيضا: ماذا تفعل حكومة تؤكد التزامها بحل الدولتين عندما ترى أن أحد طرفي الصراع يتحرك على الأرض في اتجاه معاكس لهذا الحل؟

واشنطن في الخلفية

كل ذلك يحدث تحت سقف العلاقة البريطانية الأميركية، فكلما رفعت لندن مستوى الضغط على إسرائيل، ازدادت حاجتها إلى حساب ردود الفعل داخل المعسكر الغربي، خصوصا أن الولايات المتحدة تظل حجر الزاوية في البنية الأمنية البريطانية.

ولا يعني ذلك أن بريطانيا أصبحت في مواجهة مفتوحة مع واشنطن، لكنه يفرض على لندن مساحة مناورة دقيقة بين الحفاظ على التنسيق الأطلسي وإظهار قدرة مستقلة على صياغة موقفها تجاه الشرق الأوسط.

وتبدو هذه المعادلة أكثر وضوحا في رؤية الحكومة البريطانية الأوسع لسياستها الخارجية، التي تربط أمن البلاد ومصالحها الاقتصادية ببناء تحالفات دولية أوسع والتعاون الوثيق مع أوروبا.

ومن هذه الزاوية، يصبح الملف الإسرائيلي جزءا من سؤال أكبر حول موقع بريطانيا في النظام الدولي بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي: هل تريد لندن أن تتحرك باعتبارها حليفا أطلسيا تقليديا، أم قوة أوروبية ذات هامش سياسي مستقل، أم مزيجا من الاثنين؟

من السياسة الخارجية إلى اختبار المصداقية

تكمن المفارقة في أن بريطانيا لا تتحرك باتجاه القطيعة مع إسرائيل. فالتجارة بين البلدين ما تزال ذات قيمة معتبرة، وبلغ حجم التبادل التجاري نحو 6.2 مليار جنيه إسترليني في الأرباع الأربعة المنتهية بنهاية الربع الثاني من 2025، وفقا لمكتبة مجلس اللوردات.

لذلك فإن التحول الحالي لا يمكن قراءته بوصفه انقلابا على العلاقة الثنائية.

وتحاول لندن على ما يبدو الفصل بين إسرائيل كدولة تربطها بها مصالح استراتيجية، وبين سياسات محددة للحكومة الإسرائيلية تعتبرها متعارضة مع القانون الدولي أو مع فرص التسوية السياسية، بكن نجاح هذا الفصل ليس مضمونا،فكلما توسعت الإجراءات البريطانية، أصبح من الصعب إبقاء الخلاف محصورا في نشاط استيطاني أو ملف تجاري محدد. وكلما اقتربت الإجراءات من مجالات أوسع، ستظهر مجددا أسئلة الأمن والدفاع والاستخبارات والتجارة، وهي المجالات التي تمنح العلاقة البريطانية الإسرائيلية ثقلا يتجاوز القضية الفلسطينية.

الاختبار الحقيقي ينتظر لندن

ويضع المسار البريطاني الحالي الحكومة أمام معادلة لا تبدو سهلة: المحافظة على علاقة استراتيجية مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه إقناع البرلمان والرأي العام بأن التزامها بالقانون الدولي وحل الدولتين ليس خطابا دبلوماسيا للاستهلاك السياسي.

ومن هنا تبدو إسرائيل عاملا أعاد ترتيب أولويات السياسة البريطانية أكثر مما أعاد ترتيب العلاقة البريطانية الإسرائيلية فقط، فالمواجهة الحقيقية تجري داخل لندن: بين حكومة تريد الاحتفاظ بهامش للمناورة، وبرلمان يطالب بمواقف أكثر صرامة، ورأي عام أصبح أكثر حساسية تجاه الحرب والاستيطان، ومؤسسات حقوقية تدفع باتجاه ترجمة المواقف القانونية إلى سياسات عملية، وحسابات استراتيجية تفرض على بريطانيا عدم الذهاب بعيدا في مواجهة حليف له امتدادات أمنية وسياسية واسعة.

وقد يكون هذا هو التحول الأهم، فإذا استمرت لندن في نقل ملف الاستيطان من خانة الإدانة إلى خانة الكلفة السياسية والاقتصادية، فإن إسرائيل لن تكون وحدها أمام اختبار جديد؛ بريطانيا نفسها ستكون مطالبة بالإجابة عن سؤال أكبر: هل تستطيع أن تدافع عن النظام الدولي الذي تتحدث عنه، حتى عندما تصطدم مبادئه بالمصالح التي اعتادت حمايتها؟ عندها يصبح الطريق من تل أبيب إلى وستمنستر أقصر بكثير مما يبدو على الخريطة.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.