إعلان
980×90
مساحة إعلانية
أخبار دولية

لوحات جورج بوش تستحضر وجوه 11 شتنبر وذاكرة الأميركيين

09:59 · 11/09/2026

هجر إمغري

أعاد الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش فتح واحدة من أكثر صفحات التاريخ الأميركي حساسية، لكن هذه المرة من خلال الريشة واللون، بعدما خصص معرضا فنيا في متحفه بمدينة دالاس بولاية تكساس لاستحضار هجمات 11 شتنبر 2001، وذلك بالتزامن مع مرور خمسة وعشرين عاما على الأحداث التي غيرت وجه الولايات المتحدة والعالم.

ويقدم المعرض مجموعة من اللوحات التي تعكس الطريقة التي بقيت بها تلك الأحداث حاضرة في ذاكرة بوش، الذي كان يتولى رئاسة الولايات المتحدة عندما وقعت الهجمات. ولا تكتفي الأعمال باستعادة مشاهد الدمار، بل تركز أيضا على الوجوه الإنسانية واللحظات التي رافقت الساعات والأيام الأولى التي تلت الاعتداءات، في محاولة لتحويل الذاكرة السياسية إلى تجربة بصرية وشخصية.

ويستهل المعرض، الذي يحمل عنوان “تذكر 11 شتنبر”، بلوحة تستعيد مشهد جنوب مانهاتن بعد انهيار برجي مركز التجارة العالمي، حيث تظهر ناطحات السحاب محاطة بسحابة كثيفة من الدخان، بينما تبدو السماء الزرقاء في الخلفية. ويمنح هذا التناقض بين صفاء السماء وثقل الدخان المشهد بعدا رمزيا، إذ يجمع في صورة واحدة بين الحياة الطبيعية التي كانت مستمرة وبين الصدمة التي هزت مدينة نيويورك في ذلك اليوم.

ويضم المعرض 16 عملا فنيا اختار بوش من خلالها لحظات ظلت عالقة في ذاكرته منذ صباح 11 شتنبر، بعضها يرتبط مباشرة بموقعه كرئيس للولايات المتحدة، بينما يركز بعضها الآخر على الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم في قلب المأساة. ويظهر بوش في عدد من اللوحات، من بينها مشهد اللحظة التي تلقى فيها خبر اصطدام الطائرة الثانية بمركز التجارة العالمي، وهي لحظة شكلت نقطة تحول في فهم حجم الهجمات التي كانت تتعرض لها البلاد.

ويستعيد بوش كذلك مشاهد أخرى ذات طابع إنساني، فيظهر وهو يواسي أسرة فقدت أحد أفرادها، وينحني أمام أم ثكلى، كما يظهر إلى جانب رجال الإطفاء في نيويورك وفي مناسبات دينية أقيمت عقب الهجمات. وتبرز ضمن هذه الصور أيضا لحظة تجمعه مع والده الرئيس الأسبق جورج بوش الأب، بما يعكس الجانب الشخصي من مرحلة سياسية كانت الولايات المتحدة خلالها تعيش واحدة من أصعب أزماتها الحديثة.

ويحتل العلم الأميركي مساحة رمزية واضحة في عدد من الأعمال، إذ يظهر في بعض اللوحات بشكل محدود، بينما يتحول في لوحات أخرى إلى عنصر بصري رئيسي. ويظهر العلم فوق مبنى البنتاغون الذي تعرض للهجوم بطائرة مختطفة، كما يحضر في مشاهد مرتبطة بجهود الإنقاذ، ليصبح بذلك رمزا للوحدة الوطنية التي سعى بوش إلى إبرازها من خلال مجموعته الفنية.

ويركز المعرض، وفق الفكرة التي تقوم عليها الأعمال، على الجانب الإنساني الذي ظهر في المجتمع الأميركي بعد الهجمات، أكثر من تركيزه على مشاهد الرعب والدمار. فالمقصود من اللوحات ليس فقط تذكير الزائر بحجم المأساة، وإنما استحضار مشاعر التضامن والتكاتف التي رافقت تلك المرحلة، وإبراز صور رجال الإنقاذ والأسر والضحايا والمواطنين الذين وجدوا أنفسهم أمام حدث استثنائي.

ويمنح اختيار الرسم لهذه الذكريات بعدا مختلفا عن الصور والتسجيلات التلفزيونية التي وثقت الهجمات لحظة بلحظة. فبينما تقدم الكاميرا صورة مباشرة لما حدث، تسمح اللوحة بإعادة بناء الحدث من خلال ذاكرة الفنان ومشاعره وانطباعاته الشخصية، وهو ما يجعل الأعمال أقرب إلى محاولة لتوثيق الذاكرة الداخلية للرئيس السابق وليس مجرد إعادة إنتاج للصور المعروفة.

وتلفت هذه الزاوية اهتمام زوار من أجيال لم تعش أحداث 11 شتنبر بشكل مباشر. ومن بين هؤلاء شباب ولدوا بعد وقوع الهجمات، ما يجعل اللوحات بالنسبة إليهم وسيلة مختلفة للتعرف على مرحلة تاريخية عرفوها من الكتب والصور والأرشيفات. كما تمنح الأعمال هؤلاء الزوار فرصة للتفاعل مع الحدث من خلال التعبير الفني، بعيدا عن اللغة السياسية والأرقام التي عادة ما ترافق الحديث عن الهجمات.

وتظهر في المعرض أيضا لوحتان مخصصتان لرجال الإطفاء، بألوان يغلب عليها الذهبي والأصفر والبني المحمر، في استحضار واضح للدور الذي لعبه عناصر الإنقاذ خلال الساعات العصيبة التي أعقبت انهيار البرجين. وتحمل هذه الأعمال حضورا قويا للجانب الإنساني، خصوصا أن رجال الإطفاء أصبحوا من أبرز رموز التضحية في الذاكرة الأميركية المرتبطة بتلك الأحداث.

ويعود اهتمام جورج دبليو بوش بالرسم إلى السنوات التي أعقبت مغادرته البيت الأبيض، إذ بدأ ممارسة الفن عام 2012، متأثرا بقراءة مقال للسياسي البريطاني ونستون تشرشل حول علاقته بالرسم. ومنذ ذلك الحين، اتجه بوش إلى إنتاج لوحات تناولت موضوعات وشخصيات مختلفة، من بينها قدامى المحاربين وأشخاص من أصول مهاجرة، قبل أن يخصص أحدث أعماله لمرحلة شديدة الخصوصية من مسيرته السياسية والشخصية.

ويأتي هذا المعرض في وقت تستعيد فيه الولايات المتحدة والعالم ذكرى مرور ربع قرن على هجمات 11 شتنبر، التي أسفرت عن مقتل 2977 شخصا، بعدما استهدفت أربع طائرات مختطفة مواقع رئيسية داخل البلاد. واصطدمت طائرتان ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، بينما استهدفت طائرة ثالثة مبنى البنتاغون، في حين تحطمت الطائرة الرابعة في ولاية بنسلفانيا بعد تدخل ركابها، وكانت التقديرات تشير إلى أنها كانت متجهة نحو أحد الرموز السياسية في واشنطن.

ويعيد بوش، من خلال هذه الأعمال، تقديم تلك الذكريات من زاوية مختلفة، حيث يتحول الرئيس السابق من شخصية سياسية كانت في قلب الحدث إلى فنان يحاول استعادة تفاصيل مرحلة لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية. وبينما تستحضر بعض اللوحات الخوف والخسارة، تركز أخرى على التضامن والإنقاذ والعلاقات الإنسانية، لتقدم في النهاية سردا بصريا لحدث ظل تأثيره ممتدا بعد مرور خمسة وعشرين عاما.

ويكشف المعرض بذلك أن أحداث 11 شتنبر لم تعد مجرد فصل سياسي أو أمني في التاريخ الأميركي، وإنما تحولت أيضا إلى ذاكرة متعددة الأشكال، تستعاد عبر الوثائق والصور والأفلام والفنون. وفي حالة جورج دبليو بوش، اختارت الذاكرة أن تظهر من خلال اللوحة، لتمنح الزائر فرصة لرؤية تلك اللحظات بعين شخص عاشها من داخل مركز القرار، ثم عاد إليها بعد سنوات بريشة الفنان.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.