تجاوزت أحداث التدفق الجماعي نحو مدينة سبتة في 31 يوليو 2026 مجرد واقعة عبور حدودي، لتتحول إلى ملف معقد يمزج بين تقنيات التضليل الرقمي وحروب النفوذ الإقليمي بين المغرب وإسبانيا. وتشير تقارير دولية، أبرزها تحليل صحيفة “فاينانشال تايمز” ودراسة معهد “تشاتام هاوس”، إلى أن ملف الهجرة بات ورقة استراتيجية في سياق التجاذبات السياسية المعقدة.
وتشير المعطيات الأمنية إلى أن وصول ما بين 50 إلى 60 ألف شخص إلى حدود سبتة لم يكن وليد الصدفة. وأوضح رشيد خلفي، المتحدث باسم وزارة الداخلية المغربية، أن الأزمة نتجت عن تداخل عوامل عدة، منها الاستغلال المكثف لمنصات التواصل الاجتماعي لنشر معلومات مضللة، إلى جانب نشاط شبكات الاتجار بالبشر التي روجت لأوهام سهولة العبور.
وفي السياق ذاته، وثق تقرير “المرصد الدولي للأمن” الذي أعده خوسيه ماريا جيل غاري، كيف بدأت الحملة منذ مطلع يوليو عبر تحريف حكم قضائي إسباني، لتنتقل من مجرد محتوى رقمي إلى تنظيم ميداني دقيق. وقد تم رصد مجموعات على تطبيق “واتساب” تدار بأرقام دولية، أسهمت في تحقيق ملايين المشاهدات عبر منصات “تيك توك” و”فيسبوك” و”إنستغرام”، مما دفع بآلاف الأشخاص نحو الحدود.
وعلى صعيد إدارة الأزمة، اختار رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز نهجاً يتجنب المواجهة المباشرة مع الرباط، مفضلاً التركيز على مواجهة شبكات التضليل، وذلك في ظل حاجته الماسة للتنسيق الأمني مع المغرب، لا سيما فيما يتعلق بضبط تدفقات الهجرة نحو جزر الكناري التي توليها مدريد أولوية قصوى. وقد أثمر هذا التعاون إعادة نحو 48 ألف شخص خلال يومين فقط.
وترجع جذور التوتر إلى تباين المواقف في ملفات حيوية، أبرزها العلاقة مع الجزائر التي تسعى إسبانيا للحفاظ على توازن معها لضمان إمدادات الغاز، وهو ما تجسد في زيارة سانشيز للجزائر قبل أيام من الأزمة. يضاف إلى ذلك ملف السيادة على سبتة ومليلية، والتباين في العلاقات مع واشنطن، حيث تتمتع الرباط بعلاقات استراتيجية وثيقة مع الإدارة الأمريكية، في وقت تعاني فيه حكومة سانشيز من توترات مع واشنطن حول ملفات الإنفاق الدفاعي.
وتواجه حكومة سانشيز ضغوطاً متزايدة من المعارضة الإسبانية التي تتهمها بالضعف، بينما يضع هذا الوضع الاتحاد الأوروبي أمام تحدٍ حقيقي بشأن التعامل مع ما يوصف بـ “التهديدات الهجينة”. وتؤكد هذه الأحداث أن حدود جنوب المتوسط تحولت إلى ساحة تتداخل فيها خوارزميات التواصل الاجتماعي مع الدبلوماسية التقليدية، لتعيد صياغة قواعد التنافس الجيوسياسي في المنطقة.








التعليقات
0 تعليق