يجد المغرب نفسه اليوم وسط خريطة جيوسياسية دولية تتسم بالتعقيد، حيث يسعى جاهداً للموازنة بين شراكاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وارتباطاته الاقتصادية الوثيقة بأوروبا، مع تعزيز انفتاحه المتنامي على الصين ودول الجنوب. هذا المشهد يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة المملكة على تحويل سياسة تنويع الشركاء إلى أداة لتعزيز استقلالية القرار الوطني، بدلاً من الاكتفاء بدور الدولة التي تتجنب الاصطفافات.
ويرى الدكتور عصام العروسي، أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، أن النظام العالمي الراهن لا يزال في طور التشكل، بعيداً عن الهيمنة المطلقة أو التعددية الواضحة. وفي هذا السياق، يتبنى المغرب دبلوماسية الاعتدال، مستفيداً من علاقاته المتعددة دون الانحياز الكلي لطرف على حساب آخر. فالولايات المتحدة تظل شريكاً أمنياً وعسكرياً محورياً للمملكة، بينما تمثل الصين وروسيا ودول الخليج شركاء اقتصاديين لا غنى عنهم في رؤية الرباط التنموية.
وفيما يخص التحديات المرتبطة بالمنافسة الأمريكية الصينية، يؤكد العروسي أن المغرب يدافع عن مصالحه الوطنية ضمن النسق الدولي، محافظاً على ثوابته دون الدخول في مواقف متناقضة مع حلفائه. وقد مكن هذا النهج المملكة من كسر قيود التبعية التقليدية لبعض القوى الأوروبية، لا سيما بعد نجاح الدبلوماسية المغربية في انتزاع مواقف داعمة لقضية الصحراء المغربية من دول وازنة مثل فرنسا وألمانيا وإسبانيا.
وتعد المبادرة الأطلسية الملكية، في نظر المحلل ذاته، أداة جيوسياسية تتجاوز الأبعاد الاقتصادية، فهي تهدف إلى خلق تكامل إقليمي يربط إفريقيا بأوروبا عبر مشاريع ضخمة كأنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي. وإذا ما تم تفعيل هذه المبادرة، فإنها ستغير المعادلة الطاقية والأمنية في المنطقة، مما يمنح المغرب أوراق ضغط حقيقية في علاقاته مع القوى الدولية التي تسعى لتأمين إمداداتها الطاقية.
ويشير العروسي إلى أن بوصلة السياسة الخارجية المغربية ترتكز على تحقيق التوازن بين المصالح الاقتصادية والاستراتيجية واستقلالية القرار. وقد أظهر المغرب خلال العقد الأخير نضجاً سياسياً لافتاً، مدعوماً بقوة ناعمة متنامية في مجالات الرياضة والثقافة، مما عزز من مكانته كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه في قضايا الأمن الإفريقي وشمال إفريقيا.
ختاماً، يرى الخبير أن المغرب لا يكتفي بمحاولة الموازنة بين الكبار، بل يسعى لترسيخ نفسه كقوة إقليمية تمتلك رؤية واضحة. ورغم أن بعض هذه الطموحات قد تتطلب وقتاً للتحقق الكامل، إلا أن الرباط دشنت فعلياً مرحلة جديدة من القيادة الإقليمية من خلال التركيز على قطاعات المستقبل كالهيدروجين الأخضر والتكنولوجيا الرقمية، وهو ما يمنحها هامشاً أوسع للمناورة والتفاوض في خضم الصراعات الدولية الراهنة.








التعليقات
0 تعليق