تتأهب مدينة بيربينيان الفرنسية لاحتضان فعاليات الدورة الثامنة والثلاثين من مهرجانها الدولي الشهير “فيزا بور ليماج”، حيث ترفع هذه النسخة شعار مواجهة التحديات المزدوجة التي تفرضها النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط من جهة، والتحولات الجذرية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي التوليدي على مهنة التصوير الصحافي من جهة أخرى.
تأتي هذه الدورة لتسلط الضوء على الصعوبات المتزايدة التي يواجهها المصورون الميدانيون، الذين لم يعد دورهم مقتصراً على نقل وقائع الحروب من قلب مناطق الخطر، بل باتوا ملزمين بحماية صدقية الصورة في عصر بات فيه التزييف الرقمي يهدد جوهر العمل الإعلامي وقيمته كشاهد بصري على التاريخ.
وتحضر ملفات الشرق الأوسط بقوة ضمن برنامج المهرجان، حيث يخصص حيز واسع لتغطيات ميدانية من لبنان وسوريا وغزة وإسرائيل. ففي الشأن اللبناني، يستعرض المعرض أعمال المصور محمد ياسين حول الحرب الدائرة منذ مارس الماضي، إلى جانب توثيق طويل الأمد للمصور دييغو إيبارا سانشيز يمتد بين عامي 2015 و2026. أما الوضع السوري، فيتم تناوله عبر عدسة فيليمون باربييه، الحائز على جائزة “ريمي أوشليك” الذهبية، بينما يبرز المصور خامس الريفي معاناة المدنيين في قطاع غزة، وهو العمل الذي توج بجائزة الصليب الأحمر الإنسانية، مع مشاركة يوراي ليبرمان بـ”يوميات الحرب” من إسرائيل.
ولا يغفل المهرجان بؤر التوتر التي تراجعت عن صدارة الاهتمام الإعلامي الدولي، إذ يخصص مساحات لأزمات منسية في مناطق مثل دونباس الأوكرانية، والسودان، وكمبوديا. ويهدف المنظمون من خلال هذا التوجه إلى صون الذاكرة البصرية لهذه النزاعات ومنع طمس آثارها الإنسانية بفعل سرعة وتيرة الأخبار العالمية.
وفي خطوة لتعزيز التفاعل، تظل أبواب المعارض مفتوحة مجاناً أمام الجمهور، حيث تشير التقديرات إلى استقطاب نحو 250 ألف زائر. وتلفت إدارة المهرجان إلى إقبال ملحوظ من الشباب دون سن 35، الذين يشكلون قرابة 30 في المئة من الحضور، مما يعكس حيوية الصورة الصحافية رغم هيمنة المحتوى الرقمي السريع.
وعلى صعيد موازٍ، يخصص المهرجان مؤتمراً رفيع المستوى لمناقشة تداعيات الذكاء الاصطناعي، بمشاركة خبراء قانونيين ومديري وكالات أنباء ومصورين دوليين. يهدف هذا اللقاء إلى بحث مستقبل “الدليل المرئي” في ظل قدرة التقنيات الحديثة على ابتكار مشاهد واقعية مضللة، مع التركيز على وضع قواعد مهنية صارمة تضمن توثيق مصدر الصورة ومسارها قبل وصولها للمتلقي.
تختتم هذه الدورة أعمالها بالتأكيد على أن التصوير الصحافي يمر بمرحلة مفصلية، تتطلب تحصين المهنة ضد التزييف الرقمي. وبذلك، يسعى مهرجان بيربينيان إلى ترسيخ مكانة الصورة الموثقة كركيزة أساسية للثقة العامة، معتبراً أن قوة هذا الفن تكمن في قدرته على بناء جسور من المصداقية بين الحدث والجمهور في زمن الاضطرابات المعلوماتية.








التعليقات
0 تعليق