يخوض الكاتب والشاعر المغربي نور الدين محقق مغامرة أدبية جديدة عبر إصداره الأخير “هكذا تكلم أبو الطيب المتنبي”، الذي رأى النور سنة 2026 عن دار عالم الكتب الحديث بالأردن. ولا يكتفي محقق في هذا المؤلف بتقديم عرض تاريخي تقليدي، بل يختار الشعر قالباً لصياغة سيرة ذاتية متخيلة تمنح الشاعر العباسي فرصة الحديث بلسانه عن تحولاته ومواقفه وتجربته الوجودية.
تتجاوز هذه السيرة الشعرية حدود السرد البيوغرافي المعتاد، إذ يعيد الكاتب بناء مسار المتنبي انطلاقاً من لحظة ميلاده وصولاً إلى خاتمته المأساوية. وتتحول القصائد في الكتاب إلى مشاهد متصلة تدمج بين الحكاية والتأمل الفلسفي، مما يتيح للقارئ ملامسة روح الشخصية وتناقضاتها من الداخل بعيداً عن القراءات النقدية الجافة.
يبرز مفهوم البطولة والاعتداد بالنفس كخيط ناظم في النص، خاصة في تصوير المواجهة الأخيرة التي انتهت بمقتل المتنبي. وقد جعل محقق من هذه النهاية جزءاً من البناء الدرامي المتصاعد، ليظهر الشاعر كشخصية أدبية خالدة تتجاوز حدود زمنها، ومادة خصبة للقراءة والتأويل المستمر في الثقافة العربية.
يعكس عنوان الكتاب “هكذا تكلم أبو الطيب المتنبي” الرؤية الفلسفية للعمل، حيث يفتح الباب أمام قراءة تستنطق علاقة الشاعر بالمجد والموت والزمن. وبذلك، يبتعد محقق عن دور المؤرخ ليتقمص دور المبدع الذي يعيد إحياء التراث عبر لغة شعرية معاصرة، مستكملاً بذلك مساره الأدبي الحافل الذي شمل أعمالاً سابقة مثل “مزامير أورفيوس” و”إشراقات مراكش الحمراء”.
تأتي هذه التجربة لتؤكد أن المتنبي لا يزال يشكل مصدراً ملهماً للكتابة الإبداعية، حيث نجح محقق في صهر التاريخ والذاكرة داخل قالب شعري ملحمي. ويقدم الكتاب دعوة للقارئ المعاصر لإعادة اكتشاف شاعر العربية الأكبر عبر رؤية إبداعية تكسر القوالب الجاهزة، وتجعل من سيرة المتنبي حكاية مفتوحة على كل الاحتمالات.








التعليقات
0 تعليق