هجر إمغري
كشفت نتائج دورة 2025 من البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ PISA عن استمرار الصعوبات التي تواجه المدرسة المغربية في بناء التعلمات الاساسية، بعدما سجل التلاميذ البالغون 15 عاما تراجعا في المجالات الثلاثة التي شملها التقييم، وهي الرياضيات والعلوم والفهم القرائي، في وقت بات فيه اصلاح المنظومة التعليمية يفرض نفسه باعتباره ورشا يرتبط بشكل مباشر بمستقبل الاجيال الصاعدة وقدرتها على اكتساب المعارف والمهارات الضرورية.
وأظهرت المعطيات حصول التلاميذ المغاربة على 355 نقطة في الرياضيات، مقابل 358 نقطة في العلوم، فيما لم يتجاوز المعدل في الفهم القرائي 321 نقطة. وتعكس هذه الارقام تراجعا مقارنة بالدورة السابقة، حيث فقد المغرب 10 نقاط في الرياضيات، و18 نقطة في القراءة، و7 نقاط في العلوم، وهو ما يعيد الى الواجهة النقاش حول الاسباب العميقة التي تحول دون تحقيق تحسن مستدام في مستوى التعلمات.
ويأتي هذا التراجع في ظرف لم يكن فيه المغرب وحده امام صعوبة الحفاظ على النتائج السابقة، اذ شهدت مجموعة من الانظمة التعليمية المشاركة بدورها انخفاضا في معدلات الاداء مقارنة بدورة 2022. ومع ذلك، فان خصوصية الوضع المغربي تجعل الارقام المسجلة اكثر ارتباطا بالنقاش الداخلي حول المدرسة العمومية، خصوصا في ظل الحاجة المتواصلة الى رفع مستوى التحكم في المهارات الاساسية التي تشكل قاعدة التعلم في مختلف المراحل الدراسية.
وتكتسي نتائج القراءة اهمية خاصة بالنظر الى الدور المحوري الذي تلعبه هذه المهارة في المسار الدراسي للمتعلمين. فضعف القدرة على فهم النصوص وتحليل المعلومات واستخلاص الافكار لا ينعكس على مادة اللغة فقط، بل يمكن ان يمتد اثره الى مختلف المواد الدراسية، ويؤثر لاحقا في قدرة التلميذ على استيعاب المفاهيم العلمية والرياضية والتعامل مع المسائل التي تتطلب الفهم والتحليل والاستنتاج.
وبالموازاة مع ذلك، تطرح نتيجة الرياضيات بدورها مجموعة من الاسئلة حول مدى تمكن المتعلمين من المهارات التي يحتاجونها في حياتهم الدراسية واليومية، خاصة ان الرياضيات لم تعد مرتبطة فقط بالعمليات الحسابية التقليدية، وانما اصبحت وسيلة لتطوير التفكير المنطقي وحل المشكلات وقراءة المعطيات واتخاذ القرارات المبنية على التحليل.
وتكشف نتائج العلوم من جهة اخرى عن وجود بعض عناصر القوة التي يمكن البناء عليها، بعدما حقق التلاميذ المغاربة نتائج افضل نسبيا في عدد من مكونات المجال العلمي. فقد برز اداء ملحوظ في تقييم المعلومات العلمية والعلوم البيئية، الى جانب اساليب البحث العلمي والنمذجة والبرمجة، بما يشير الى وجود قدرات يمكن تطويرها عندما تتوفر ظروف تعليمية مناسبة ومقاربات تربوية اكثر ارتباطا بالتطبيق والممارسة.
وتعيد هذه النتائج في المقابل التركيز على مرحلة التعليم الابتدائي، باعتبارها الحلقة التي تتشكل خلالها اللبنات الاولى للقراءة والكتابة والحساب والفهم. فكل تعثر لا تتم معالجته في السنوات الاولى يمكن ان يتحول مع مرور الوقت الى فجوة يصعب تجاوزها، خصوصا عندما ينتقل التلميذ من مستوى دراسي الى اخر حاملا معه صعوبات لم تتم معالجتها بشكل كاف.
وتراهن الاصلاحات التي يعرفها قطاع التربية على التدخل المبكر ومواكبة التلاميذ الذين يواجهون صعوبات في التعلم، مع توسيع تجربة مؤسسات الريادة واعتماد آليات للدعم والمعالجة التربوية وتعزيز التكوين والمواكبة وتطوير الوسائل الديداكتيكية والرقمية. ويعكس هذا التوجه تحولا في طريقة التعامل مع التعثر الدراسي، من الانتظار الى مرحلة متقدمة من المسار الدراسي نحو التدخل منذ ظهور المؤشرات الاولى للصعوبة.
ويظل التحدي الاساسي مرتبطا بقدرة هذه الاصلاحات على الانتقال من مستوى المشاريع والتدابير الى نتائج ملموسة يشعر بها التلميذ داخل الفصل والمدرسة. فنجاح اي اصلاح تعليمي لا يقاس فقط بعدد المؤسسات المستفيدة او البرامج المعتمدة، بل بمدى تحسن قدرة المتعلم على القراءة والفهم والحساب والتحليل والتفكير وحل المشكلات.
وتمنح نتائج PISA 2025، في هذا السياق، صورة عن جيل من التلاميذ الذين لم يستفيدوا بعد من الاصلاحات الحالية بالشكل الذي يسمح بقياس اثرها الكامل. لذلك، فان الحكم النهائي على هذه التجربة سيحتاج الى وقت، خصوصا الى حين وصول الاجيال التي عاشت تجربة مؤسسات الريادة خلال مراحلها الدراسية الى سن 15 عاما، وهي المرحلة التي تسمح نتائج التقييم الدولي عندها بقياس مدى تطور المكتسبات والكفايات.
وبينما تضع الارقام الحالية المدرسة المغربية امام تحديات واضحة، فانها تفتح ايضا فرصة لاعادة ترتيب الاولويات داخل ورش الاصلاح، عبر جعل التعلمات الاساسية في مقدمة الاهتمام، وربط الدعم التربوي بجودة التدريس، وتقوية تكوين المدرسين، وتحسين ظروف التعلم، وتوسيع استخدام الوسائل الحديثة دون ان تحل التكنولوجيا محل الدور المركزي للمدرس.
ويؤكد المسار الذي تكشفه هذه النتائج ان اصلاح التعليم ليس ورشا قصير المدى يمكن قياس نتائجه خلال فترة محدودة، بل مسار تراكمي يحتاج الى الاستمرارية والتقييم والتصحيح. فالمؤشرات التي ظهرت اليوم قد تكون انعكاسا لمشكلات تكونت قبل سنوات، كما ان ثمار الاصلاحات التي يجري تنفيذها حاليا قد لا تظهر كاملة الا بعد مرور وقت كاف يسمح بقياس اثرها على مسار التلاميذ.
وتضع نتائج PISA 2025 بذلك قضية جودة التعلمات في صلب النقاش حول مستقبل المدرسة المغربية، خصوصا في ما يتعلق بالقراءة والرياضيات والعلوم. وبين استمرار التحديات وتوسع الاصلاحات، يبقى الرهان الحقيقي هو تحويل المدرسة الى فضاء يستطيع فيه كل تلميذ، بغض النظر عن ظروفه الاجتماعية او موقع مؤسسته، اكتساب الاساسيات التي تمكنه من مواصلة دراسته بثقة وبناء قدراته للمراحل المقبلة.








التعليقات
0 تعليق