هجر إمغري
أعاد الحديث عن الغش في الذهب بالمغرب مسألة الثقة بين الزبون والصائغ إلى الواجهة، بعدما انتشرت خلال الفترة الأخيرة منشورات ومقاطع مصورة تتحدث عن ممارسات مخالفة في بعض محلات بيع وصياغة المعدن النفيس، وهو ما فتح نقاشا واسعا حول مدى احترام المعايير القانونية والتجارية التي يفترض أن تحكم هذا النشاط، وحول الوسائل الكفيلة بحماية المستهلك من الوقوع ضحية للتدليس أو سوء التقدير.
وأثار انتشار هذه المعطيات مخاوف لدى عدد من المواطنين، خصوصا النساء اللواتي يشكلن جزءا مهما من زبناء سوق الذهب، سواء بهدف اقتناء الحلي والمجوهرات للزينة أو الاحتفاظ بها كمدخر يمكن اللجوء إليه عند الحاجة، في ظل الاعتقاد السائد بأن الذهب يمثل وسيلة لحفظ قيمة الأموال وملاذا آمنا في مواجهة تقلبات الظروف الاقتصادية. ومن هنا تبرز حساسية التعامل بهذا المعدن، الذي لا ترتبط قيمته بجماله فقط، وإنما بوزنه ودرجة نقاوته وعياره وسعره المتداول في السوق.
وفي المقابل، لا يمكن التعامل مع جميع الصائغين بمنطق واحد، لأن مهنة صياغة الذهب تقوم في جانب كبير منها على السمعة والثقة المتراكمة عبر سنوات من العمل والخبرة. ويحرص عدد كبير من المهنيين على الحفاظ على اسمهم التجاري وعلاقتهم بزبنائهم، باعتبار أن الثقة تمثل رأسمالا حقيقيا داخل هذه المهنة، فيما قد يؤدي أي إخلال بمصداقية التعامل إلى خسارة الزبون وتشويه صورة المحل، بل وقد يمتد أثره إلى صورة القطاع بأكمله.
وبالتزامن مع تصاعد النقاش، تتجه الأنظار إلى منظومة المراقبة التي تضطلع بها المصالح المختصة، خاصة مصلحة الضمانة التابعة للجمارك، باعتبارها الجهة التي تتولى مراقبة المعادن الثمينة والتحقق من مدى مطابقتها للمعايير المعتمدة. ولا ترتبط هذه المراقبة بالضرورة بوجود شكايات من المواطنين، بل يمكن أن تتم من خلال عمليات دورية ومفاجئة تستهدف عددا من المحلات والأسواق التي تنشط في تجارة وصياغة الذهب.
وتعتمد عمليات المراقبة على فرق متخصصة راكمت خبرة في التعامل مع هذا النوع من المنتجات، إلى جانب الاستعانة بوسائل وتقنيات تمكن من فحص الذهب والتأكد من عياره ومطابقته للمعايير القانونية. كما تحرص الفرق المكلفة بهذه المهام على تنفيذ تدخلاتها بطريقة لا تؤثر على سمعة المهنيين، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمجرد مراقبة روتينية لا تثبت وجود أي مخالفة.
وفي هذا السياق، تكتسي عنصر المباغتة أهمية خاصة في عمليات التفتيش، إذ تسمح الزيارات المفاجئة بالوقوف على طبيعة النشاط كما يجري بشكل عادي، بعيدا عن أي ترتيبات مسبقة قد تؤثر على نتائج المراقبة. كما يمكن أن تتم بعض التدخلات بزي مدني، بما يضمن قدرا من السرية ويحافظ في الوقت نفسه على هدوء المحيط وعدم إثارة انتباه الزبناء أو سكان المنطقة، خاصة عندما لا تكون هناك معطيات مؤكدة بشأن وجود مخالفة.
ومن جهة أخرى، لا تقتصر حماية سوق الذهب على ضبط حالات الغش داخل المحلات، وإنما تمتد إلى مراقبة حركة المعادن الثمينة عبر الحدود والمطارات، في إطار الجهود الرامية إلى التصدي للتهريب والاتجار غير المشروع. وتكتسب هذه المهمة أهمية إضافية بالنظر إلى القيمة المالية المرتفعة للذهب وسهولة نقله مقارنة بحجم قيمته، ما يجعله محط اهتمام شبكات تنشط في مجالات غير قانونية، من بينها عمليات مرتبطة بتبييض الأموال.
ويعتمد تحديد قيمة الذهب بدرجة كبيرة على العيار، الذي يعبر عن نسبة الذهب الخالص الموجودة في القطعة مقارنة بباقي المعادن الداخلة في تركيبها. ويعتبر عيار 24 من أعلى العيارات، إذ تقترب نسبة الذهب الخالص فيه من 99.9 بالمائة، بينما تنخفض نسبة الذهب كلما انخفض العيار، وهو ما يجعل معرفة العيار مسألة أساسية بالنسبة للزبون عند الشراء، لأنها تؤثر بشكل مباشر على القيمة المالية للقطعة.
كما تبرز أهمية الضمانة في كونها لا تتعامل مع الذهب باعتباره مجرد سلعة عادية، بل كمعدن ثمين يخضع لمعايير دقيقة بهدف حماية المتعاملين في السوق والحفاظ على مصداقية القطاع. ويشكل احترام هذه القواعد عاملا أساسيا في الحد من حالات التدليس، سواء تعلق الأمر بالعيار أو الوزن أو طبيعة المعدن، خصوصا أن الفارق البسيط في النسب يمكن أن تكون له انعكاسات مالية مهمة عندما يتعلق الأمر بقطع ذات وزن وقيمة مرتفعة.
وفي الوقت نفسه، تظل مسؤولية حماية المستهلك مشتركة بين مختلف الأطراف، فالزبون مطالب بدوره بالانتباه عند اقتناء الذهب، واختيار المحلات التي تتمتع بسمعة جيدة، والاحتفاظ بالفواتير والوثائق المرتبطة بالشراء، وعدم الانجراف وراء الأسعار المنخفضة بشكل غير معتاد. كما أن طلب معلومات واضحة حول العيار والوزن والقيمة يمكن أن يساعد على تفادي عدد من الإشكالات التي قد تظهر بعد إتمام عملية البيع.
وتتضاعف أهمية هذه الاحتياطات عندما يتعلق الأمر بمبالغ مالية كبيرة، لأن شراء الذهب غالبا ما يمثل بالنسبة للأسر المغربية قرارا ماليا وليس مجرد اختيار مرتبط بالزينة. فالحلي الذهبية قد تتحول في كثير من الحالات إلى نوع من الادخار العائلي الذي يحتفظ بقيمته ويمكن بيعه عند الحاجة، وهو ما يجعل أي تلاعب في العيار أو الوزن سببا في خسارة مالية مباشرة للزبون.
وفي ظل هذا الوضع، يبدو أن الحفاظ على الثقة يمثل التحدي الأكبر أمام سوق الذهب، لأن استقرار المعاملات لا يعتمد فقط على القوانين والرقابة، وإنما أيضا على العلاقة التي تربط الصائغ بالزبون. وكلما ارتفعت درجة الشفافية والوضوح في تحديد الأسعار والأوزان والعيارات، تراجعت مساحة الشك وازدادت قدرة السوق على مقاومة الممارسات التي تضر بسمعة المهنيين.
وتبقى مراقبة الذهب ومحاربة الغش والتهريب جزءا من منظومة أوسع تهدف إلى حماية المعاملات التجارية والحفاظ على الثقة في سوق المعادن الثمينة. وبينما تفرض طبيعة الذهب قيمة مالية مرتفعة ودقة كبيرة في تحديد خصائصه، تظل المراقبة المستمرة والتوعية واحترام القواعد القانونية عناصر ضرورية لضمان حقوق المستهلكين والمهنيين على حد سواء.
وهكذا، فإن الجدل الذي أعاد الغش في الذهب بالمغرب إلى الواجهة لا ينبغي أن يتحول إلى حكم جماعي على جميع الصائغين، بقدر ما يفترض أن يكون مناسبة لتعزيز الرقابة والشفافية وترسيخ وعي المستهلك بحقوقه. فالمهنة التي تقوم أساسا على الثقة والسمعة تحتاج إلى حماية هذه الثقة من أي ممارسة تسيء إليها، بينما يبقى دور الجهات المختصة حاسما في ضمان احترام المعايير والتصدي لكل من يحاول استغلال قيمة الذهب لتحقيق أرباح غير مشروعة.








التعليقات
0 تعليق