تجاوزت العلاقات بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية منطق الظرفية السياسية العابرة، لتتحول بمرور العقود إلى شراكة استراتيجية متجذرة في التاريخ. هذا المسار الذي يمتد لأكثر من قرنين لم يكن رهيناً بإدارة أمريكية بعينها، بل تشكل عبر تراكمات مستمرة من التعاون الأمني والسياسي والاقتصادي، حيث وضعت كل حقبة رئاسية لبنة جديدة في صرح هذا التحالف الذي يعود تاريخه إلى معاهدة السلام والصداقة الموقعة في 23 يونيو 1786 بمراكش.
شكلت الحرب العالمية الثانية نقطة تحول بارزة في هذه الروابط، حين استضافت الدار البيضاء مؤتمر “أنفا” في يناير 1943. وتعتبر هذه المحطة مفصلية في الذاكرة المشتركة، حيث التقى الرئيس فرانكلين روزفلت بالسلطان محمد الخامس، في لقاء تاريخي ألمحت فيه المراسلات الأمريكية إلى تفهم واشنطن لتطلعات المغرب نحو الاستقلال، مما مهد الطريق لتعاون يتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية.
ومع بزوغ فجر الاستقلال، تولت إدارة الرئيس دوايت أيزنهاور مسؤولية ترسيخ العلاقات مع الدولة المغربية الحديثة، إذ اعترفت واشنطن بسيادة المغرب في 7 مارس 1956، لتليها خطوة افتتاح السفارة الأمريكية بالرباط في يونيو من العام نفسه. وقد تعزز هذا التقارب بزيارة أيزنهاور للمغرب في ديسمبر 1959، حيث تم بحث سبل دعم الدول الناشئة في ظل استقطابات الحرب الباردة، مما نقل العلاقات إلى مستوى التعامل بين دولتين مستقلتين.
وشهد عهد الرئيس جورج بوش الابن نقلة نوعية نحو المأسسة، حين صنف المغرب في يونيو 2004 حليفاً رئيسياً من خارج حلف الناتو، بالتزامن مع توقيع اتفاقية التجارة الحرة التي دخلت حيز التنفيذ عام 2006. هذه الإجراءات حولت الصداقة التاريخية إلى شبكة مصالح اقتصادية وأمنية صلبة، حيث تشير بيانات الممثل التجاري الأمريكي إلى بلوغ صادرات الولايات المتحدة للمغرب نحو 5.3 مليارات دولار في عام 2024، مما يكرس الدور الاقتصادي المتنامي لهذه الشراكة.
وفي مرحلة لاحقة، عملت إدارة باراك أوباما على إضفاء طابع مؤسساتي على التنسيق بين البلدين من خلال إطلاق الحوار الاستراتيجي في 2012. وقد توج هذا المسار بلقاء الملك محمد السادس والرئيس أوباما في 2013، حيث تم التأكيد على رؤية مشتركة لاستقرار المنطقة، مع اعتبار مقترح الحكم الذاتي المغربي حلاً جاداً وواقعياً لنزاع الصحراء، مما منح الحوار آليات مستدامة تتجاوز تغير الإدارات.
وتميزت حقبة دونالد ترامب بتحول استراتيجي حاسم في ديسمبر 2020، تمثل في الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على كامل أقاليمه الجنوبية. لم يقتصر هذا التحول على الجانب السياسي، بل امتد ليعزز الشراكة الدفاعية عبر خارطة طريق عسكرية تمتد حتى عام 2030، وهو ما أحدث تغييراً جذرياً في قواعد التعامل مع أكثر ملفات السياسة الخارجية المغربية حساسية.
أثبتت فترة جو بايدن قدرة هذه الشراكة على الصمود أمام تقلبات السلطة في واشنطن، حيث حافظت الإدارة الديمقراطية على ثوابت التعاون، مؤكدة على طابعها طويل الأمد. ومع عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة في 2025، استمر هذا الزخم، حيث جددت الإدارة الجديدة موقفها الداعم للسيادة المغربية، في حين أظهرت مناورات “الأسد الإفريقي 2026” تطوراً في القدرات الدفاعية المشتركة لتشمل تكنولوجيا الحروب الحديثة.
تؤكد المعطيات الراهنة أن العلاقة بين الرباط وواشنطن باتت اليوم منظومة متكاملة لا تقف عند حدود الماضي، بل تستند إلى مصالح استراتيجية مشتركة في الأمن والدفاع والاقتصاد. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الشراكة نموذجاً للتنسيق الدولي الذي يربط المغرب بمحيطه الأطلسي والإفريقي، مؤكدة أن ثوابت التحالف أضحت أقوى من أي تغيير في البيت الأبيض.








التعليقات
0 تعليق