إعلان
980×90
مساحة إعلانية
علاقات و دبلوماسية

التعليم العالي في الأقاليم الجنوبية.. بين حقائق التوسع الميداني ومغالطات السرديات السياسية

نُشر في

سعت بعض المنابر الإعلامية الجزائرية إلى تسييس ملف التعليم العالي في الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، من خلال طرح تساؤلات حول أسباب ما وصفته بـ”غياب الجامعة” في مدينتي العيون والداخلة. وقد روجت هذه التقارير لفرضية مفادها أن عدم وجود مؤسسة تحمل مسمى “جامعة” يعد استراتيجية متعمدة للحد من تشكل الوعي الطلابي، متجاهلة في الوقت ذاته التطورات الميدانية والواقع الأكاديمي الذي تشهده المنطقة.

وتكشف المعطيات الرسمية الصادرة عن جامعة ابن زهر أن خريطة التعليم العالي في الأقاليم الجنوبية تتسم بالتنوع والتوسع المؤسساتي، حيث تحتضن مدينة العيون المدرسة العليا للتكنولوجيا وكلية الطب والصيدلة، بينما تضم الداخلة المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير والمدرسة العليا للتكنولوجيا، إلى جانب كلية العلوم الشرعية بالسمارة. وتعمل هذه المؤسسات كأجزاء حيوية ضمن المنظومة الجامعية الوطنية، وليست كيانات منعزلة كما تحاول بعض القراءات تصويرها.

وفي سياق تعزيز هذا العرض الأكاديمي، تم في نوفمبر 2025 توقيع اتفاقية لإنشاء المدرسة الوطنية للتكنولوجيات المتقدمة بمدينة الداخلة بتكلفة تصل إلى 100 مليون درهم. ويهدف هذا المشروع، الذي يساهم فيه مجلس جهة الداخلة وادي الذهب بـ20 مليون درهم، إلى تكوين كفاءات متخصصة في الذكاء الاصطناعي، الروبوتيك، والأنظمة الرقمية، مما يعكس توجهاً استراتيجياً نحو تحديث التكوينات الجامعية وتكييفها مع المتطلبات الاقتصادية والتقنية الحديثة.

وتعتمد المقاربة المغربية في توزيع المؤسسات الجامعية على نموذج شبكي يربط بين مختلف المدارس والمعاهد المتخصصة، بدلاً من حصر التعليم العالي في بناية واحدة شاملة. ويستند هذا النموذج إلى الحاجيات الديموغرافية والترابية لكل منطقة، مما يجعل النقاش حول “غياب الجامعة” يفتقر إلى الدقة العلمية، ويغفل المجهودات المبذولة لتقريب التخصصات من الطلبة في أقاليمهم.

ومن الناحية المنهجية، يلاحظ أن الطرح الذي يربط بين غياب تسمية “جامعة” وبين مخاوف أمنية مزعومة يفتقر إلى أي أدلة موثقة أو تصريحات رسمية تدعم هذه الفرضية. فالمشاريع والاتفاقيات التي شهدتها الفترة الأخيرة، بما فيها لقاءات حول مستقبل التعليم العالي بآفاق 2030 وتوقيع عقود تطوير الجامعات العمومية، تؤكد أن النقاش الدائر يتعلق بتطوير المنظومة التعليمية وليس بتقييدها.

إن الانتقاد البناء لواقع التعليم العالي يظل حقاً مشروعاً، ويمكن أن يتركز حول قضايا جوهرية مثل الطاقة الاستيعابية، تنوع التخصصات، وتطوير البحث العلمي، وتجويد فرص التشغيل. غير أن تحويل هذا الملف إلى مادة للدعاية السياسية عبر اختزال الحقائق في مسمى “جامعة” لا يخدم المصلحة الأكاديمية للطلبة، بل يحول النقاش من فضاء المعرفة إلى ساحة للتجاذبات التي تفتقر إلى السند الواقعي.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.