شهدت المناطق الشمالية من نيبال فيضانات مفاجئة وعنيفة خلفت حصيلة ثقيلة من الضحايا والمفقودين، حيث اجتاحت موجة عارمة من المياه المحملة بالأوحال والصخور الأودية الجبلية القريبة من الحدود مع التبت. وتؤكد المعطيات المتوفرة أن هذه الكارثة لم تكن مجرد تداعيات لأمطار موسمية، بل نجمت عن انهيار كتلة ضخمة من الجليد والصخور من مرتفعات شاهقة، مما أدى إلى تشكل سيل جارف داهم المناطق السفلية بسرعة فائقة.
ووفقاً لآخر التحديثات الرسمية الصادرة صباح يوم الخميس، ارتفع عدد القتلى إلى 162 شخصاً، في وقت تواصل فيه فرق الإنقاذ جهودها في المناطق المنكوبة التي شهدت تدميراً واسعاً في البنية التحتية، بما في ذلك الجسور والطرق وشبكات الاتصال، مما يعقد عمليات الوصول إلى المتضررين.
وتشير التحليلات العلمية الأولية إلى أن جزءاً من نهر جليدي انهار من ارتفاع يقدر بـ1200 متر عمودياً، جارفاً معه كميات هائلة من الركام والتربة، لتصب هذه الكتلة في مجرى نهر ليندي، أحد روافد نهر بهوتي كوشي. وقد أدى ضيق الوادي وشدة انحداره إلى تحويل هذا الركام إلى قوة تدميرية هائلة، وهو ما تدعمه صور الأقمار الصناعية التي يحللها باحثون من المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال بالتعاون مع مؤسسات علمية في نيبال والصين.
ويعتقد الخبراء أن هذه الكتل الصخرية والجليدية شكلت ما يعرف بـ”السد الانهياري” الذي أوقف تدفق المياه مؤقتاً، مما أدى إلى ارتفاع الضغط خلف هذا الحاجز الطبيعي غير المستقر. وبمجرد انهيار هذا السد، اندفعت المياه محملة بالحطام بقوة مضاعفة، مما يفسر الارتفاع السريع والمفاجئ في منسوب نهري تريشولي، حيث سجل مستوى المياه زيادة بلغت تسعة أمتار في غضون نصف ساعة فقط في منطقة غالتشي، وسبعة أمتار في منطقة مالخخو.
وفيما يخص الأسباب المحتملة، يدرس الباحثون فرضية وجود نشاط زلزالي، إلا أنهم يتعاملون معها بحذر شديد، مؤكدين أن تسجيل إشارات زلزالية لا يعني بالضرورة وجود علاقة سببية مباشرة، رغم رصد تغيرات في الغطاء الجليدي خلال الفترة التي سبقت الكارثة. كما شدد المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال على ضرورة عدم التسرع في ربط الحادثة بالتغير المناخي بشكل مباشر، مع الإقرار بأن المنطقة تشهد تغيرات متسارعة تؤثر على استقرار المنحدرات الجبلية.
وتظل المخاطر قائمة حتى بعد انحسار الموجة الأولى، حيث حذر الخبراء من احتمالية تشكل حواجز طبيعية جديدة في مجاري الأنهار نتيجة تراكم الحطام، مما قد يسبب فيضانات إضافية. وتدفع هذه التطورات السلطات إلى تكثيف عمليات المراقبة وإجراءات الإخلاء الاحترازية، خاصة في ظل الطبيعة المعقدة للفيضانات الجبلية التي لا تمنح السكان سوى دقائق محدودة للنجاة.








التعليقات
0 تعليق