رحاب الغرباوي
أكد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، خلال حواره مساء أمس على القناة الثانية، احترام المغرب لوقف إطلاق النار وتعامله المسؤول مع ترتيبات مغادرة بعثة المينورسو، موضحا الموقف المغربي من التطورات الأخيرة التي شهدها المسار الأممي لقضية الصحراء المغربية.
أما بخصوص بعثة المينورسو، شدد بوريطة على التعامل المسؤول مع ترتيبات مغادرتها، بما يراعي الالتزامات الدولية ومقتضيات السلم والاستقرار
قراءة هذه المواقف، بحسب عبد العزيز خليل، الدكتور في القانون العام والعلوم السياسية، تتجاوز حدود التوضيحات المرتبطة بمستجدات مجلس الأمن، لتكشف أبعادا استراتيجية عميقة في تدبير المملكة لقضيتها الوطنية الأولى، وتحولا في طريقة التعامل مع الآليات التي ظلت تؤطر الملف لعقود.
وقد ذكر الدكتور خليل، في مداخلته للتاسعة الإخبارية ،إن أول ما يستوقف في حوار بوريطة هو دقة التصور الملكي وبعده الاستراتيجي، موضحا أن المواقف التي عبّر عنها الوزير تعكس رؤية متكاملة، لا تتعامل مع التطورات الدولية بمنطق ردود الفعل الآنية، بل تنطلق من تصور استباقي يقرأ التحولات ويستوعب موازين القوى ويحدد الأهداف والرهانات على المديين المتوسط والبعيد.
بحسب تحليله، أبرز الحوار إحدى الخصائص الأساسية للدبلوماسية المغربية، المتمثلة في قدرتها على تحويل الأزمات والتحديات إلى فرص لبناء مسارات جديدة. فالتطورات التي شهدها مجلس الأمن، بما فيها استخدام روسيا حق النقض، لم تُقرأ مغربيا باعتبارها نهاية للمسار أو انتكاسة تستدعي الارتباك، وإنما باعتبارها مناسبة لإعادة تقييم القواعد والآليات التي حكمت تدبير الملف، والبحث عن مداخل تتيح تحقيق تقدم فعلي.
حيث كان وزير الخارجية ناصر بوريطة قد ذكر بأن استخدام موسكو حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي لم يفاجئ المغرب، موضحا أن المملكة كانت على دراية بالموقف الروسي قبل التصويت داخل مجلس الأمن
انطلاقا من ذلك، اعتبر الدكتور خليل أن الحكمة الملكية تتجلى في القدرة على استشراف ما وراء الوقائع، إلى جانب حسن التعامل معها، والتمييز بين التطورات الظرفية والتحولات البنيوية، وبين تدبير اللحظة وصناعة التحول. وأضاف أن هذه المقاربة تستند إلى الهدوء والثبات، وتجمع بين وضوح الثوابت الوطنية ومرونة الوسائل الدبلوماسية.
الأهم في مضامين الحوار، وفق المتحدث، هو إبراز تحول في فلسفة تدبير قضية الصحراء المغربية، من إدارة النزاع داخل قواعد ظلت قائمة لعقود، إلى مراجعة تلك القواعد وإعادة النظر في قدرتها على إنتاج حل سياسي واقعي ودائم.
هذا الانتقال، يضيف الدكتور في القانون العام والعلوم السياسية، يمثل تحولا نوعيا في التفكير الاستراتيجي،ذلك أن معالجة الإشكالات الممتدة لا تتحقق دائما بالاشتغال داخل الآليات نفسها، بل قد تستدعي مراجعة الإطار الذي ينتجها ويعيد إنتاجها.
بالمقابل، شدد خليل على أن مراجعة قواعد تدبير الملف لا تعني التخلي عن الالتزامات الدولية أو مقتضيات السلم والاستقرار، مستندا إلى تأكيد بوريطة احترام وقف إطلاق النار والتعامل المسؤول مع ترتيبات مغادرة المينورسو. وأوضح أن المسؤولية السياسية والدبلوماسية تقتضي أيضا عدم الارتهان لصيغ تدبير لم تعد، وفق التقييم المغربي، تستجيب للتحولات التي عرفتها القضية.
و تبعا لهذه القراءة، يرى الدكتور في القانون العام و العلوم السياسية أن المغرب لا يكتفي بالتفاعل مع التحولات الدولية، بل يسعى إلى استثمارها لإعادة تشكيل شروط التفاوض ومحدداته، انطلاقا من الثوابت الوطنية والمرجعية التي أرستها المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وقد وصف المتحدث هذا التوجه بأنه انتقال من دبلوماسية تدبير الوقائع إلى دبلوماسية صناعة التحولات، ومن التعامل مع الأزمات إلى تحويلها إلى فرص، ومن المحافظة على قواعد المسار إلى التفكير في إعادة صياغة شروطه.
وفي ختامي تصريحه للتاسعة الاخبارية، اعتبر الدكتور أن إحدى أبرز الرسائل السياسية والاستراتيجية لحوار بوريطة تتمثل في أن قوة الدول لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة التحديات، بل أيضا بقدرتها على تحويل لحظات التعقيد إلى فرص لإعادة ترتيب الخيارات وصناعة المستقبل، مقدرا أن هذا المسار يقرّب المملكة من حل نهائي وعميق لقضية الصحراء المغربية على المدى المتوسط.








التعليقات
0 تعليق