تتجاوز الفنانة البصرية المغربية صفاء قطبي النظرة التقليدية للتراث، حيث لا تعتبره مجرد قطع أثرية حبيسة المتاحف، بل تراه كياناً حياً يتفاعل مع الزمن ويتحول في سياق الفن المعاصر. ومن خلال استحضار أدوات منزلية بسيطة مثل البراد والمرشة والحلي، تسعى قطبي إلى استنطاق الذاكرة العائلية والاجتماعية التي تختزلها هذه العناصر.
تعتمد الفنانة في تجربتها المتنوعة، التي تجمع بين التصوير وفنون التركيب والمنسوجات، على تحويل الأدوات اليومية إلى وسائط تعبيرية مشحونة بالمعاني. فالمرشة، التي ارتبطت في الوجدان الشعبي بطقوس الاستقبال والاحتفال، والبراد الذي يعد رمزاً للكرم واللقاء، يتحولان في أعمالها إلى رموز للهوية، بعيداً عن أي اختزال سياحي أو زخرفي.
وتشغل المرأة حيزاً جوهرياً في هذا المشروع الفني، ليس بصفتها عنصراً جمالياً فحسب، بل بوصفها الحافظة الأمينة للذاكرة الثقافية غير المكتوبة. فمن خلال الممارسات اليومية التي توارثتها الأجيال، من الطبخ إلى الحرف والطقوس، تبرز النساء كحارسات للهوية، وهو ما تسعى قطبي إلى توثيقه وإخراجه من الفضاء الخاص إلى المشهد الثقافي العام.
لا تكتفي قطبي بالجانب البصري، بل ترتكز أعمالها على بحث معمق يسبق مرحلة التنفيذ. فكل قطعة تُختار بعناية وتُدرس سياقاتها التاريخية والاجتماعية، مما يمنح العمل الفني عمقاً يتجاوز الشكل الظاهري. ويعد البطء في إنجاز هذه الأعمال جزءاً من فلسفتها الفنية، حيث تعيد الاعتبار لقيمة العمل اليدوي في مواجهة نمط الاستهلاك السريع.
وترى الفنانة أن إقبال الأجيال الجديدة على استكشاف جذورها يعكس رغبة ملحة في فهم الهوية وسط عالم متسارع. وفي هذا الصدد، تساهم أعمالها في حماية القصص المحلية من التهميش أو سوء التفسير، مؤكدة على ضرورة أن يتولى أصحاب الثقافة سرد قصصهم بأنفسهم، مما يحول التراث إلى حوار متجدد لا إلى سلطة جامدة.
ختاماً، لا تهدف صفاء قطبي إلى تجميل التراث أو تقديمه في قوالب مثالية، بل تعمل على مساءلته وطرح تساؤلات حوله. ومن خلال نقل تفاصيل البيت المغربي إلى فضاء الفن، تنجح في خلق جسر يربط الماضي بالحاضر، مما يضمن استمرارية الذاكرة وتطورها دون أن تفقد جوهرها.








التعليقات
0 تعليق