يجد المغرب نفسه اليوم أمام منعطف استراتيجي بخصوص ملف غزة، حيث لم يعد دوره مقتصرًا على الجوانب الإنسانية والسياسية التقليدية، بل بات مطروحاً كطرف محتمل ضمن ترتيبات أمنية دولية للمرحلة الانتقالية في القطاع. هذا التوجه يثير تساؤلات حول طبيعة الأهداف المغربية، وما إذا كانت الرباط تسعى لتعزيز نفوذها الدبلوماسي أم أنها تخطو نحو ملف محفوف بالتعقيدات الأمنية والسياسية.
وفي هذا الصدد، يرى محمد بوبوش، الأستاذ الجامعي المتخصص في العلاقات الدولية، أن انخراط المملكة في قوة دولية يمثل تحولاً نوعياً في مقاربتها لملف الشرق الأوسط. فالمغرب، الذي اعتاد على الحضور عبر بوابة لجنة القدس ووكالة بيت مال القدس، قد ينتقل عبر هذه الخطوة إلى مستوى أكثر مباشرة في إدارة تداعيات الحرب، مما يجعله شريكاً مؤثراً في صياغة مستقبل غزة الأمني والإداري.
وتشير القراءة التحليلية لبوبوش إلى أن نجاح هذا الرهان المغربي يعتمد بشكل أساسي على طبيعة المهام الموكلة للقوات المشاركة. فبينما يمكن أن يشكل الدعم الطبي، وإعادة الإعمار، وتدريب الكوادر الفلسطينية، أداة لتعزيز صورة المغرب كفاعل إقليمي مسؤول، فإن أي انزلاق نحو مهام قتالية أو فرض ترتيبات أمنية قد يضع المملكة في مواجهة اختبارات صعبة، خاصة مع تباين المواقف الإقليمية والفلسطينية بشأن القوات الدولية.
كما أن التحدي الأكبر يكمن في الحفاظ على التوازن الدقيق في السياسة الخارجية المغربية، إذ يتطلب الانخراط في ترتيبات أمنية دولية موازنة دقيقة بين الشراكات الاستراتيجية مع القوى الغربية وبين الالتزام التاريخي بدعم القضية الفلسطينية. ويؤكد بوبوش أن وضوح التفويض القانوني وقواعد الاشتباك يظل شرطاً جوهرياً لتجنب تحول الدور الانتقالي إلى التزام طويل الأمد ومفتوح.
وفي استشراف للمستقبل، يضع بوبوش ثلاثة سيناريوهات محتملة؛ أولها استمرار حالة عدم الاستقرار رغم النجاح الجزئي للقوة الدولية، مما يطيل أمد المهمة المغربية. أما السيناريو الثاني فيرتبط بنجاح المهمة في توفير بيئة لإعادة الإعمار، مما يعزز المكاسب الدبلوماسية للمغرب. بينما يتمثل السيناريو الثالث في تعثر المهمة أو انهيار التوافق السياسي، وهو ما قد يحمل كلفة سياسية وأمنية مرتفعة للرباط.
وخلاصة القول، فإن حضور المغرب في “اليوم التالي” لغزة يتوقف على قدرته على حصر دوره في المجالات الإنسانية والتنموية التي تمنحه أفضلية سياسية، بعيداً عن التورط في صدامات ميدانية. فالمعادلة التي تحاول الرباط صياغتها تهدف إلى تحويل هذا الحضور إلى رصيد دبلوماسي، دون أن تتحول المشاركة إلى عبء سياسي يتجاوز المكاسب المرجوة.








التعليقات
0 تعليق