يحتفي المغاربة في العشرين من غشت من كل عام بذكرى ثورة الملك والشعب، وهي المحطة التي تمثل منعطفاً حاسماً في تاريخ المملكة، حينما أدى قرار سلطات الحماية بنفي الملك محمد الخامس وأسرته إلى تفجير غضب شعبي عارم، محولاً معركة التحرير من صراع سياسي إلى ملحمة وطنية شاملة تهدف لاستعادة السيادة والكرامة.
لم تكن خطوة النفي سوى محفز لتقوية الروابط بين العرش والشعب، حيث أدرك المغاربة حينها أن الدفاع عن الملك هو دفاع عن هوية الأمة واستقلالها. وقد أثبتت الأيام أن محاولات الاستعمار لكسر شوكة الحركة الوطنية قد باءت بالفشل، إذ تحولت عودة الملك إلى مطلب شعبي موحد تجاوز حدود الاحتجاج التقليدي ليصبح قضية وجودية تهم كل بيت مغربي.
توجت هذه التضحيات بعودة الملك محمد الخامس في السادس عشر من نونبر 1955، لتبدأ معها مرحلة تأسيس الدولة الحديثة. لم يكن الاستقلال غاية في حد ذاته، بل كان انطلاقة لمسؤولية وطنية كبرى لبناء مؤسسات الدولة، وهو المسار الذي تعزز لاحقاً بملحمة المسيرة الخضراء سنة 1975 التي رسخت الوحدة الترابية وأكدت على تلاحم المغاربة حول ثوابتهم الوطنية.
انتقلت معارك المغرب اليوم من مواجهة الاستعمار المباشر إلى تحديات التنمية الشاملة. فالمملكة تخوض حالياً غمار تحديث الاقتصاد، وتطوير البنيات التحتية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، والتحول الرقمي، بالإضافة إلى مواجهة تحديات الأمن المائي والطاقي، مما يجعل من التنمية ركيزة أساسية للسيادة الوطنية في عصرنا الراهن.
تظل ذكرى العشرين من غشت أبعد من مجرد استحضار للماضي، فهي بمثابة بوصلة للأجيال الحالية لاستيعاب مفهوم الوطنية في قالبها المعاصر. فالوطنية اليوم تتجسد في الإخلاص في العمل، والمساهمة في بناء مغرب قوي، والحفاظ على المكتسبات الديمقراطية والتنموية، مع استحضار روح التضحية التي ميزت الرعيل الأول لضمان مستقبل أكثر ازدهاراً للمملكة.








التعليقات
0 تعليق