تشهد العلاقات بين الجزائر ومالي منعطفاً جديداً يتجاوز مجرد طي صفحة أزمة دبلوماسية دامت لأكثر من عام، إذ تعكس عودة الحوار بين البلدين تبدلاً في موازين القوى داخل منطقة الساحل، حيث أصبحت المصالح الوطنية للدول تتقدم على الاصطفافات التقليدية.
وتجسد هذا التقارب في الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة المالية عبد الله مايغا إلى الجزائر، حاملاً رسالة من رئيس المرحلة الانتقالية أسيمي غويتا إلى الرئيس عبد المجيد تبون. وجاءت هذه الخطوة عقب اتصال هاتفي في التاسع من غشت ومبادرة جزائرية لدعوة المسؤول المالي، في إطار مسار يركز على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وذلك بعد أشهر من التوتر الذي توج بإعلان البلدين في يوليوز إعادة سفيريهما وفتح مجالهما الجوي.
ويكتسي التحرك المالي أبعاداً استراتيجية بالنظر إلى أن باماكو لم تعد تتبنى نفس المواقف السابقة تجاه قضية الصحراء المغربية. فقد أعلنت مالي في أبريل الماضي سحب اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية”، مؤكدة لاحقاً دعمها لسيادة المغرب ومبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي للنزاع، وهو الموقف الذي جرى التأكيد عليه في بيان مشترك عقب الدورة الرابعة للجنة الكبرى المشتركة بين الرباط وباماكو.
وتشير هذه المعطيات إلى أن مالي باتت تنهج سياسة خارجية قائمة على تعدد الشراكات، حيث تسعى لاستعادة علاقات مستقرة مع الجزائر دون أن يعني ذلك التخلي عن مواقفها السيادية أو التراجع عن دعمها للوحدة الترابية للمغرب. هذا النموذج يطرح تساؤلات حول قدرة الجزائر على الحفاظ على نفوذها التقليدي في محيطها الإقليمي، في ظل توجه دول الساحل نحو بناء علاقاتها بناءً على المصالح الأمنية والاقتصادية المباشرة.
وعلى الرغم من عودة قنوات التواصل، إلا أن الخلافات الجوهرية التي أدت إلى القطيعة، ومن أبرزها إنهاء مالي لاتفاق السلام والمصالحة لعام 2015 وحادثة إسقاط طائرة مسيرة في أبريل 2025، لا تزال قائمة. ويبدو أن الطرفين توصلا إلى قناعة بأن تكلفة استمرار التوتر تفوق مكاسب العودة إلى الحوار، مما يجعل المصالحة الحالية أقرب إلى إدارة للأزمة منها إلى حل جذري للتباينات الأمنية والسياسية.
وفي ظل هذا المشهد، تجد ميليشيات البوليساريو نفسها أمام واقع إقليمي أكثر تعقيداً، حيث أصبحت البيئة المحيطة بها تعيد تعريف مصالحها بعيداً عن منطق الاصطفافات الأحادية. ومع استمرار الجزائر في دعمها للميليشيات، يظل السؤال مطروحاً حول مدى قدرة هذا النهج على الصمود أمام التحولات المتسارعة في منطقة الساحل، التي باتت تفرض على الجميع حسابات جديدة تتجاوز الشعارات التقليدية.








التعليقات
0 تعليق