تواجه الدول العربية تحولاً سكانياً متسارعاً يفرض إعادة النظر في السياسات الاجتماعية والاقتصادية، نتيجة تراجع معدلات الخصوبة وارتفاع أمد الحياة المتوقع. هذا التغير في البنية العمرية يضع أنظمة التقاعد والخدمات الصحية أمام ضرورة التكيف مع تزايد أعداد المسنين، وهو مسار يختلف في حدته من دولة إلى أخرى.
وتفيد بيانات عام 2024 بأن نسبة الأفراد الذين تجاوزوا سن 65 عاماً بلغت 4.6 في المائة في المنطقة العربية، وهي نسبة مرشحة للارتفاع لتصل إلى 9.1 في المائة بحلول عام 2050. ويأتي هذا في ظل انخفاض معدل الإنجاب من سبعة أطفال لكل امرأة قبل خمسة عقود إلى حوالي ثلاثة أطفال حالياً، بالتوازي مع صعود متوسط العمر المتوقع من 51 سنة إلى ما يفوق 72 سنة بفضل تحسن الظروف الصحية.
وعلى مستوى التفاوتات الإقليمية، يتصدر لبنان القائمة بنسبة مسنين بلغت 10.1 في المائة، تليه تونس بـ9.5 في المائة، ثم المغرب بـ8.1 في المائة، بينما تظل هذه النسبة منخفضة في دول مثل قطر والإمارات، حيث لا تتجاوز 1.8 في المائة و1.7 في المائة على التوالي، ويعزى ذلك بالأساس إلى وجود قاعدة عريضة من العمالة الأجنبية الشابة.
ويعكس تراجع الخصوبة تغيرات عميقة في أنماط الحياة والظروف الاقتصادية، حيث انخفض المعدل في تونس إلى 1.8 طفل لكل امرأة، بينما سجل المغرب والسعودية مستويات بلغت 2.2 و2.3 على التوالي. وتلعب عوامل متعددة دوراً في هذا التراجع، منها ارتفاع مستويات التعليم، وتأخر سن الزواج، وتصاعد تكاليف المعيشة وتربية الأطفال.
وفيما يتعلق بالجانب الصحي، ارتفع متوسط العمر المتوقع في المنطقة إلى 72.4 سنة في عام 2023، مدعوماً بانخفاض ملموس في وفيات الرضع بفضل برامج التلقيح والرعاية الطبية. ورغم تباين هذه المؤشرات بين الدول، حيث سجلت السعودية 78.7 سنة وتونس 76.5 سنة والمغرب 75.3 سنة، إلا أن زيادة أمد الحياة تفرض تحديات جديدة تتعلق بتوفير رعاية صحية متخصصة للأمراض المزمنة.
وتشير مؤشرات الإعالة إلى أن كل 100 شخص في سن العمل بالمنطقة العربية باتوا مطالبين بإعالة حوالي 7.3 من كبار السن في عام 2024، مقارنة بـ6.2 في عام 2000. هذا الضغط يضع أنظمة التقاعد أمام اختبار حقيقي، مما يستوجب تعزيز الإنتاجية وتوسيع فرص التشغيل، مع استغلال المرحلة الحالية التي تتركز فيها الكتلة السكانية في سن العمل لتعزيز الاستثمارات في التعليم والحماية الاجتماعية.
وتندرج هذه التحولات ضمن سياق عالمي يشهد تراجعاً في الخصوبة وارتفاعاً في متوسط العمر، وسط توقعات أممية بأن يتفوق عدد المسنين على عدد الأطفال بحلول نهاية سبعينيات القرن الحالي. وتؤكد الدراسات أن القدرة على مواجهة هذه التحديات تعتمد بشكل أساسي على مدى استعداد المؤسسات الوطنية لتحديث منظوماتها الاقتصادية والاجتماعية قبل تفاقم آثار الشيخوخة السكانية.








التعليقات
0 تعليق