تعد قصة الهجرة المغربية إلى غابات الأمازون البرازيلية واحدة من أكثر الفصول التاريخية إثارة للدهشة، حيث نجحت عائلات انطلقت من مدن مغربية عريقة كطنجة وتطوان وفاس والرباط وسلا ومراكش في الحفاظ على جذورها الثقافية لأكثر من مائتي عام. بدأت هذه الرحلات الإنسانية منذ أوائل القرن التاسع عشر، حينما شد يهود مغاربة الرحال عبر المحيط الأطلسي، مستقرين في مدن وموانئ حيوية على ضفاف الأنهار الأمازونية، ليؤسسوا مجتمعات ظلت ذاكرتها مرتبطة بالوطن الأم رغم المسافات الشاسعة.
وتكشف دراسات أكاديمية صادرة عن جامعة بارا الفدرالية، أن المسار الذي سلكه هؤلاء المهاجرون كان يبدأ غالباً من المغرب نحو لشبونة، قبل عبور الأطلسي وصولاً إلى ميناء بليم. وقد ساهمت التغيرات القانونية في الإمبراطورية البرتغالية والبرازيل، إلى جانب شبكات التواصل العائلي، في تشجيع المزيد من المغاربة على الاستقرار هناك، خاصة مع انتعاش اقتصاد المطاط بين عامي 1880 و1910، مما حول مدناً مثل بليم وماناوس إلى مراكز جذب تجاري وديموغرافي.
لم يكتفِ هؤلاء المهاجرون بالانخراط في النشاط التجاري، بل حملوا معهم موروثهم الثقافي والغذائي، وهو ما يوثقه حالياً متحف ساو باولو اليهودي من خلال مشاريع بحثية ومعارض مخصصة لتاريخ “يهود الأمازون”. فقد ظلت وصفات مغربية تقليدية، وعلى رأسها طبق “الدفينة”، حاضرة في الموائد العائلية، مع تطويع مكوناتها لتلائم المنتجات المحلية للغابة، في نموذج فريد للاندماج الثقافي الذي يجمع بين التقاليد السفاردية المغربية والبيئة الأمازونية.
وعلاوة على المطبخ، حافظ المهاجرون على لغة “الحاكيتية” التي كانت سائدة في شمال المغرب، حيث تناقلت الأجيال كلمات وأغاني تعكس هذا الأثر الثقافي. وعلى الرغم من تحول اللغة البرتغالية إلى لغة التواصل الأساسية للأحفاد، إلا أن بقايا هذه اللغة ظلت حاضرة في المناسبات العائلية، مما دفع الباحثين لوصف هذا التشكل الثقافي الجديد بـ “اليهودي الكابوكلو”، وهو تعبير يجسد الهوية المركبة التي أنتجها هذا الوجود المغربي.
وتشهد المقابر والمعابد والأرشيفات المدنية في مدن الشمال البرازيلي على هذا الحضور التاريخي، حيث توثق عقود الزواج القديمة أسماء عائلات مغربية استقرت هناك منذ نهاية القرن التاسع عشر. وقد عمل متحف ساو باولو اليهودي، من خلال معرضه الذي انطلق في أواخر 2024، على إبراز كيف تحولت هذه الهجرة من مجرد حركة تجارية إلى جزء لا يتجزأ من النسيج التاريخي لمنطقة الأمازون، بعيداً عن الروايات الرومانسية، وباعتبارها جزءاً من تحولات اجتماعية واقتصادية معقدة عاشتها المنطقة.








التعليقات
0 تعليق