إعلان
980×90
مساحة إعلانية
مقال

أقدم معاهدة في تاريخ أمريكا: قصة صمود العلاقة المغربية الأمريكية عبر قرنين ونصف

نُشر في

تحتل المملكة المغربية مكانة استثنائية في الذاكرة الدبلوماسية للولايات المتحدة الأمريكية، حيث تُعد معاهدة السلام والصداقة المبرمة بين البلدين في ثمانينيات القرن الثامن عشر، أطول علاقة تعاهدية مستمرة دون انقطاع في تاريخ واشنطن، وهي شراكة ولدت في فترة كانت فيها الدولة الأمريكية الفتية لا تزال تشق طريقها نحو الاستقلال وتثبيت أركان وجودها الدولي.

وتشير المعطيات التاريخية الموثقة لدى مكتب المؤرخ بوزارة الخارجية الأمريكية إلى أن التفاعل المغربي مع الجمهورية الجديدة بدأ بخطوة استباقية عام 1777، حين سمح السلطان سيدي محمد بن عبد الله للسفن الأمريكية بالولوج إلى الموانئ المغربية، وهي بادرة سبقت الاعتراف الدبلوماسي الرسمي الذي تكرس قانونياً بتوقيع معاهدة السلام والصداقة في 23 يونيو 1786، وذلك في وقت كانت فيه القوى الدولية لا تزال تترقب مآلات الثورة الأمريكية.

لقد كان الدافع الأساسي وراء هذا التقارب هو تأمين الملاحة البحرية والتجارة، حيث وجد الأمريكيون أنفسهم بعد الانفصال عن التاج البريطاني في حاجة ماسة لضمان سلامة سفنهم في المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وهو ما دفع رموزاً مؤسسة للولايات المتحدة مثل توماس جيفرسون، وجون آدامز، وبنجامين فرانكلين، إلى تكليف الدبلوماسي توماس باركلي بإدارة المفاوضات التي أثمرت اتفاقاً تاريخياً في مدينة مراكش، لا يزال يُحفظ اليوم في الأرشيف الوطني الأمريكي كوثيقة قانونية باللغة العربية.

وتبرز أهمية هذه العلاقة في كونها لم تكن مجرد بروتوكول عابر، بل امتدت لتشمل توقيعات آباء مؤسسين للولايات المتحدة، حيث تظهر وثائق التصديق توقيعات آدامز وجيفرسون، بالإضافة إلى مراسلات جورج واشنطن مع السلطان المغربي، مما يضفي صبغة رسمية متينة على هذا التحالف الذي تجدد لاحقاً في معاهدة مكناس عام 1836، ليعزز استمرارية هذه الروابط عبر مختلف الحقبات السياسية والعسكرية العالمية.

ولا يقتصر الأثر التاريخي لهذه العلاقة على النصوص الدبلوماسية، بل يتجسد في “المفوضية الأمريكية بطنجة”، التي منحها السلطان مولاي سليمان للولايات المتحدة عام 1821، وتُصنف اليوم كأقدم ممتلكات دبلوماسية أمريكية خارج حدودها، مما يجعلها شاهداً مادياً على عمق الروابط التي صمدت أمام تغيرات الأنظمة والحروب العالمية والتحولات التكنولوجية الكبرى.

إن ما يميز هذه القصة هو تجاوزها للمغالطات المتداولة حول التواريخ، إذ يشدد الخبراء والمؤرخون على أن القيمة الحقيقية تكمن في الاستمرارية التاريخية والاعتراف المتبادل في مرحلة تأسيسية حرجة، مما يجعل من المعاهدة المغربية الأمريكية نموذجاً فريداً في الدبلوماسية الدولية، حيث لا تزال وثائقها المخطوطة بخط اليد تشكل جزءاً حياً من التاريخ السياسي الأمريكي، وتذكر العالم بأن أقدم علاقة تعاهدية للولايات المتحدة بدأت من المغرب.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.