فقدت الساحة الثقافية الأمازيغية أحد أعمدتها في الشعر الشفهي وفن أسايس بوفاة الشاعر عمر برغوت، الذي ترك خلفه إرثاً غنياً ارتبط بمنطقة مزوضة ونواحيها. وقد شكل رحيله مناسبة لاستحضار مسار مبدع كرس حياته لجعل القصيدة وعاءً لحفظ الذاكرة الجماعية ونقل القيم والتقاليد بين الأجيال في بيئة اشتهرت باحتضان فنون أحواش وأسايس.
تميز الراحل بمسار إبداعي فريد، حيث فضل الابتعاد عن أضواء الشهرة والتركيز على جوهر القصيدة كأداة للتعبير عن هموم المجتمع وتطلعاته. ويصنف برغوت ضمن ما يعرف بـ”شعراء الظل”، وهم المبدعون الذين صاغوا نصوصاً أدبية وغنائية عميقة، بينما نال المؤدون والفنانون النصيب الأكبر من الحضور الإعلامي، وهو اختيار عكس قناعته بأن الشعر غاية في حد ذاته وليس وسيلة للظهور.
ساهم عمر برغوت بفاعلية في منظومة الإبداع الأمازيغي التي تجمع بين النص واللحن والأداء، حيث لم يكن مجرد كاتب للكلمات بل طرفاً محورياً في بناء التجربة الفنية. وقد ظلت قصائده، التي اتسمت بقوة الارتجال وسرعة البديهة، حاضرة في المناسبات الثقافية والمواسم المحلية، مما جعل اسمه مقترناً بالتراث الشفهي الذي يمثل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية للمنطقة.
ويثير غياب الشاعر تساؤلات جوهرية حول مستقبل التراث الشفهي الذي لا يزال معظمه محفوظاً في ذاكرة الرواة، مما يجعله عرضة للاندثار. وتبرز هنا الحاجة الملحة إلى تكثيف جهود التوثيق والجمع العلمي للنصوص والشهادات قبل أن تضيع مع رحيل حاملها، خاصة أن الشعر الشفهي ظل لسنوات طويلة يعتمد على التداول الشفوي بدلاً من التدوين.
يأتي رحيل برغوت ليؤكد أهمية إعادة الاعتبار لأسماء إبداعية ظلت بعيدة عن الواجهة، حيث يفتح الباب أمام الباحثين والمؤسسات الثقافية للاهتمام بجمع هذا الأرشيف الشعري. إن الحفاظ على هذا الموروث لا يقتصر على تكريم الأشخاص، بل يعد ضرورة لضمان استمرارية الذاكرة المحلية، وضمان وصول إبداعات هؤلاء الشعراء إلى الأجيال القادمة كجزء من التاريخ الثقافي للبلاد.








التعليقات
0 تعليق