ياسر الرقاص
في خطوة تؤسس لمرحلة متقدمة من التكامل الإفريقي-الإفريقي، أرست العاصمتان المغربية والغينية، من قلب مدينة كوناكري، دعائم انطلاقة متجددة لتعاونهما الثنائي، معلنتين عن إرادة سياسية مشتركة لضخ دماء جديدة في عروق الشراكة الاستراتيجية التي تجمعهما، بغية الارتقاء بالروابط التجارية والاقتصادية إلى مستويات غير مسبوقة من التنسيق والعمل المشترك.
وتستند هذه التحركات الدبلوماسية، التي تأتي استجابة لمتطلبات ظرفية اقتصادية قارية ودولية معقدة، إلى صياغة خارطة طريق براغماتية تتجاوز البروتوكولات الكلاسيكية لتستهدف بشكل مباشر صلب القطاعات الإنتاجية.
وينصب الرهان الحالي للمحور المغربي-الغيني على تعبئة الفاعلين الاقتصاديين في كلا البلدين لتوسيع قاعدة المبادلات التجارية، وخلق بيئة استثمارية محفزة تترجم الرصيد السياسي المتميز والمواقف الدبلوماسية المتطابقة إلى أرقام ومشاريع تنموية ملموسة تعود بالنفع المباشر على شعوب المنطقة.
ولا يمكن قراءة هذا الزخم المتجدد بمعزل عن الإرث التاريخي العميق والمحطات المفصلية التي عززت التوجه الإفريقي للمملكة، وعلى رأسها الزيارات الملكية المتتالية لكوناكري (خاصة في عامي 2014 و2017)، والتي أسست لترسانة اتفاقيات وازنة شملت البنى التحتية والتأهيل الحضري.
ويأخذ هذا التعاون طابعا أكثر استراتيجية وتقاطعا مع المبادرة الملكية الأطلسية الرامية لفك العزلة وتسهيل ولوج دول غرب إفريقيا والساحل إلى الواجهة البحرية، مما يضع غينيا كحلقة وصل جغرافية وتجارية حيوية في هذا المشروع القاري.
وإلى جانب البعد التجاري البحت، تستند هذه الدينامية إلى ركائز متينة أثبتت نجاعتها على مر السنوات، أبرزها التعاون في تحقيق الأمن الغذائي القومي الغيني عبر برامج المواكبة وتوفير الأسمدة التي تقودها مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، فضلا عن التكوين الأكاديمي، والتأطير الروحي المتمثل في تكوين الأئمة الغينيين في المغرب، مما يجعل من هذه الانطلاقة الجديدة بكوناكري تكريساً لنموذج حي ومتعدد الأبعاد لنجاعة التعاون “جنوب-جنوب”.








التعليقات
0 تعليق