إعلان
980×90
مساحة إعلانية
الذكاء الاصطناعي

علماء رياضيات يحذرون شركات الذكاء الاصطناعي من «تأثير مدمر» على البحث العلمي

10:37 · 13/09/2026

كوثر بوجوال

حذر نحو 25 من العلماء الحاصلين على ميدالية فيلدز، إحدى أبرز الجوائز العالمية في الرياضيات، من أن التطور السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي قد يترك آثارا عميقة، وربما «مدمرة»، على مستقبل البحث الرياضي إذا لم ترافقه قواعد واضحة تحدد كيفية استخدامها وعلاقتها بإنتاج المعرفة العلمية.

وجاء التحذير في رسالة مفتوحة دعا أصحابها شركات التكنولوجيا الكبرى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى التعامل بصورة عاجلة مع الأسئلة التي باتت تفرضها قدرة النماذج الحديثة على التعامل مع مسائل رياضية متقدمة، مؤكدين أن هذه التكنولوجيا تمتلك في الوقت نفسه قدرة كبيرة على تسريع البحث وتوسيع فهم الرياضيات.

ويرى العلماء أن تأثير الذكاء الاصطناعي على البحث الرياضي لن يتحدد بقدرات النماذج وحدها، وإنما بالقرارات التي سيتخذها الأشخاص والشركات والمؤسسات التي تتحكم في تطوير هذه الأنظمة واستخدامها.

رسالة مفتوحة تحذر من تغير قواعد البحث الرياضي

أوضح الموقعون على الرسالة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أداة مهمة في خدمة الرياضيات، سواء من خلال تسريع عمليات الحساب أو اقتراح مسارات جديدة للحل أو مساعدة الباحثين على اختبار الفرضيات.

لكنهم شددوا في المقابل على أن دخول هذه الأنظمة إلى قلب عملية البحث العلمي يفرض على المجتمع الرياضي الاستعداد لتغيرات واسعة قد تمس طبيعة المهنة نفسها وطريقة تقييم الأبحاث ونسب النتائج إلى أصحابها.

وبحسب مضمون الرسالة، فإن السؤال لم يعد يتعلق فقط بما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على حل مسائل صعبة، بل بكيفية إدارة هذه القدرة وما إذا كانت ستُستخدم لتعزيز عمل الباحثين أو ستؤدي إلى إضعاف أدوارهم والتأثير في منظومة الإنتاج العلمي.

ويرى العلماء أن المسؤولية تقع بدرجة كبيرة على الجهات التي تمتلك هذه التكنولوجيا وتحدد آليات تشغيلها وتدريبها والوصول إليها.

إعلان حديث يعيد النقاش إلى الواجهة

جاء التحذير بعد أيام من إعلان شركة «أوبن إيه آي» أن أحد نماذجها تمكن، في أقل من أربعة أيام، من التوصل إلى حل لمسألة رياضية معقدة يعود طرحها إلى أكثر من قرن.

وأثار الإعلان اهتماما واسعا بسبب السرعة التي قيل إن النموذج حقق بها النتيجة، لكنه فتح في الوقت نفسه نقاشا بشأن أصالة المخرجات التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي ومدى اعتمادها على الأعمال العلمية السابقة المتاحة لها.

وتصاعد النقاش بعد أن شكك عالم الرياضيات الأسترالي تريستان باكماستر في أوجه التشابه بين العمل الذي قدمه النموذج وأبحاث كان قد أنجزها سابقا قبل المشروع الذي أعلنت عنه الشركة.

ولا تعني هذه الملاحظات، في حد ذاتها، ثبوت وجود اقتباس غير مشروع أو مخالفة علمية، لكنها أعادت طرح سؤال مهم يتعلق بكيفية التمييز بين اكتشاف رياضي جديد فعلا وبين نتيجة تستند بصورة كبيرة إلى أعمال سابقة جرى استيعابها أو إعادة تركيبها بواسطة نموذج ذكاء اصطناعي.

من يملك الفضل في الحلول التي ينتجها الذكاء الاصطناعي؟

واحدة من أكثر القضايا حساسية التي يثيرها توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الرياضيات ترتبط بنسبة الاكتشافات والنتائج.

فالبحث الرياضي يقوم تقليديا على مسار واضح يمكن من خلاله معرفة الباحث أو الفريق الذي صاغ البرهان أو قدم الفكرة الأساسية، ثم إخضاع العمل للمراجعة العلمية.

أما عند استخدام النماذج الحديثة، فقد تصبح الحدود أكثر تعقيدا، خصوصا إذا كانت الأنظمة قد تدربت على كم هائل من الكتب والأوراق والأبحاث الرياضية المنشورة سابقا.

ومن هنا يبرز سؤال حول الطريقة التي يمكن بها حماية حقوق الباحثين والتأكد من أن الأدوات الجديدة لا تعيد إنتاج أعمالهم بطريقة تجعل من الصعب التعرف إلى المصدر الأصلي للأفكار.

ويطرح هذا النقاش كذلك تحديات تتعلق بالشفافية، خصوصا عندما لا يكون الباحثون قادرين على معرفة المصادر الدقيقة التي اعتمد عليها النموذج للوصول إلى نتيجة معينة.

الذكاء الاصطناعي فرصة أيضا وليس تهديدا فقط

رغم لهجة التحذير، لم يتعامل الموقعون على الرسالة مع الذكاء الاصطناعي باعتباره خطرا ينبغي إبعاده عن الرياضيات.

بل أكدوا أن هذه التكنولوجيا «توفر إمكانية تعزيز وتسريع دراسة الرياضيات وفهمها»، وهو ما يعكس إدراكا لفوائدها المحتملة بالنسبة إلى الباحثين.

فالنماذج المتقدمة يمكن، من حيث المبدأ، أن تساعد على اختبار أفكار عديدة في وقت قصير، أو اقتراح أنماط وعلاقات رياضية يصعب ملاحظتها بالطرق التقليدية.

وقد يصبح الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة شبيهة بالأدوات الحسابية التي غيرت في فترات سابقة طريقة اشتغال العلماء، لكن الفارق هذه المرة يتعلق بقدرة النماذج على المشاركة بصورة أوسع في بناء الاستدلال واقتراح الحلول.

ولهذا يرى العلماء أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وقف التكنولوجيا، بل في تحديد قواعد لاستخدامها بصورة تحافظ على قيمة البحث البشري ونزاهة الممارسة العلمية.

«مسائل الألفية» تزيد حساسية النقاش

يرتبط الإعلان الأخير، وفق المعطيات الواردة، بمعادلات نافييه-ستوكس، التي تدخل ضمن «مسائل الألفية» السبع التي حددها معهد كلاي للرياضيات سنة 2000.

وخصص المعهد مكافأة قدرها مليون دولار لكل واحدة من هذه المسائل عند التوصل إلى حل يستوفي الشروط العلمية المطلوبة.

وتكتسب معادلات نافييه-ستوكس أهمية كبيرة لارتباطها بوصف حركة الموائع، لكن المشكلة الرياضية المتعلقة بها بقيت من بين أكثر المسائل شهرة وصعوبة.

ولهذا فإن أي إعلان يتعلق بتقدم كبير نحو حل إحدى مسائل الألفية يجذب تلقائيا اهتماما علميا واسعا، ويخضع عادة لتدقيق شديد من الباحثين المتخصصين.

ويزيد دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا النوع من المسائل من حساسية النقاش، لأن الأمر لا يتعلق هذه المرة باستخدامه في تطبيقات يومية، بل في مجالات تقع في قلب البحث الرياضي الأساسي.

شركات التكنولوجيا مطالبة بإجابات أوضح

دعا الحائزون على ميدالية فيلدز الشركات الكبرى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى تقديم إجابات عاجلة بشأن كيفية تعاملها مع هذه الإشكالات.

ويشمل ذلك، بحسب جوهر التحذير، طريقة استخدام الأبحاث السابقة، وآليات الاعتراف بأصحابها، وشفافية النتائج التي تنتجها النماذج، إلى جانب التأثير المحتمل على مستقبل الباحثين والمؤسسات العلمية.

وتأتي الرسالة في وقت تتسابق فيه عدة شركات منذ العام الماضي للإعلان عن تطورات في قدرة نماذجها على التعامل مع المسائل الرياضية والمنطقية المعقدة.

وبين الحماسة تجاه ما يمكن أن تحققه هذه الأدوات والخوف من آثارها على البحث الأكاديمي، يبدو أن الرياضيات تدخل مرحلة جديدة لم تعد فيها المسألة مقتصرة على تطوير خوارزميات أكثر قوة، بل على تحديد القواعد التي ستنظم العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والباحث البشري.

ويؤكد الموقعون على الرسالة أن مستقبل هذه العلاقة لن تحدده التكنولوجيا وحدها، بل الاختيارات البشرية المحيطة بها؛ وهي اختيارات قد تجعل الذكاء الاصطناعي أداة لتوسيع المعرفة الرياضية، أو مصدرا لإرباك أسس المهنة إذا غابت عنها الشفافية والضوابط.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية