خلد التاريخ الإسباني صيف عام 1909 كواحد من أكثر فتراته اضطراباً، حين تحولت مدينة برشلونة إلى مسرح لمواجهات عنيفة عرفت بـ “الأسبوع المأساوي”، وهي أحداث دامية اندلعت شرارتها نتيجة رفض شعبي واسع لسياسات التجنيد الإجباري التي ربطتها الحكومة بالتدخل العسكري في شمال المغرب.
بدأت جذور الأزمة عقب تراجع النفوذ الإسباني دولياً بعد خسارة مستعمراتها عام 1898، مما دفع مدريد للتركيز على تعزيز وجودها في المغرب. وتفاقم الوضع بعد تكبد الجيش الإسباني خسائر فادحة في معركة “وادي الذئاب” قرب مليلية، ما استدعى قراراً حكومياً بتعبئة 40 ألفاً من جنود الاحتياط لدعم الجبهة المغربية.
أثار هذا القرار حفيظة سكان برشلونة، التي كانت تمثل القطب الصناعي للبلاد، خاصة في ظل نظام تجنيد طبقي كان يمنح الأثرياء حق شراء الإعفاء من الخدمة العسكرية، بينما كان العمال والفقراء يُساقون قسراً إلى جبهات القتال، وهو ما اعتبره المحتجون انحيازاً صارخاً لخدمة مصالح شركات التعدين ورجال الأعمال على حساب دماء أبناء الطبقة العاملة.
وفي 26 يوليو 1909، اتخذت النقابات العمالية قراراً بإضراب عام سرعان ما تحول إلى عصيان مدني شل حركة المدينة. وتصاعدت حدة الغضب لتطال المؤسسة الدينية، حيث أقدم محتجون على إحراق العديد من الكنائس والأديرة، متهمين إياها بالتواطؤ مع السلطة، قبل أن تنتشر المتاريس في الشوارع وتندلع اشتباكات مباشرة مع قوات الأمن والجيش التي تدخلت لاستعادة النظام.
استمرت حالة الاحتقان لعدة أيام، استخدمت خلالها السلطات القوة المفرطة لإنهاء التمرد، مما أدى إلى مقتل أكثر من مائة مدني وثمانية عسكريين، وإصابة المئات بجروح. وعقب فرض السيطرة الكاملة مطلع شهر أغسطس، شنت الحكومة حملة اعتقالات واسعة طالت مئات النشطاء والعمال بتهم التحريض على العنف.
لم تكتفِ السلطات بالاعتقالات، بل أصدرت أحكاماً قاسية تراوحت بين السجن المؤبد والنفي، وصولاً إلى إعدام خمسة أشخاص رمياً بالرصاص، كان أبرزهم المفكر والمربي فرانسيسكو فيرير. وقد أثار إعدام الأخير ضجة دولية واسعة، حيث اعتبره مراقبون ومثقفون تصفية حسابات سياسية أكثر من كونها محاكمة قانونية.
أدت هذه الأحداث إلى تصدع كبير في المشهد السياسي الإسباني، وأججت نقاشات حادة حول العدالة الاجتماعية، ونظام التجنيد، ودور الكنيسة في الدولة. ويرى مؤرخون أن “الأسبوع المأساوي” لم يكن مجرد احتجاج عابر، بل كان تعبيراً عن انقسام طبقي عميق، كشف كيف يمكن للسياسات الاستعمارية في شمال المغرب أن تترجم إلى أزمات داخلية تهدد استقرار الدولة.








التعليقات
0 تعليق