يثير قرار فرض رسوم مالية على الموظفين الراغبين في ولوج سلك الدكتوراه جدلاً واسعاً يتجاوز الحسابات المالية البسيطة، ليلامس جوهر وظيفة الجامعة العمومية وحق المواطنين في المعرفة. ويرى الباحث مصطفى إيدمولود أن هذا النقاش يطرح إشكالات اجتماعية وسياسية عميقة، مستحضراً تساؤل الأستاذ عبد الكبير الصوصي العلوي حول المفارقة الصارخة بين جيل من الأكاديميين الذين نالوا شهاداتهم مجاناً، وبين واقع يفرض اليوم مبالغ طائلة على الباحثين الموظفين.
ويؤكد إيدمولود أن القضية ليست مجرد أرقام، بل تتعلق بنمط من التفكير بدأ يتغلغل داخل المؤسسات الجامعية، حيث يجد الموظف نفسه مطالباً بأداء مبالغ شهرية مرهقة لمواصلة مساره الدراسي، وهو ما قد يكرس نوعاً من الطبقية الاجتماعية داخل فضاء يفترض أن يكون مفتوحاً للجميع. ويحذر الباحث من أن هذه السياسة قد تحول الجامعة من مرفق عمومي إلى فضاء تحكمه معايير الربح والخسارة.
وفي قراءته لهذا التحول، يستدعي إيدمولود مفهوم “المثقف العضوي” عند أنطونيو غرامشي، مشدداً على أن دور الأستاذ الجامعي يتجاوز البحث عن موارد إضافية لمختبره. فالمثقف الحقيقي هو من يسائل بنية المجتمع وعلاقات القوة، ولا يقبل أن يتحول البحث العلمي إلى “حصان طروادة” يضرب مجانية التعليم، أو أن يصبح الأكاديمي شريكاً في تسويق سياسة تجارية داخل الحرم الجامعي.
ويرفض الباحث تبرير فرض الرسوم بضعف ميزانية المختبرات، معتبراً أن تمويل البحث العلمي هو مسؤولية الدولة باعتباره بنية تحتية للمجتمع، وليس عبئاً يجب أن يتحمله جيب الموظف أو الباحث. ويرى أن التذرع بحاجة المختبرات للمال قد يمهد الطريق لسياسات خوصصة تدريجية، تحول الطالب من صاحب حق في المعرفة إلى زبون، وتجعل من الشهادة الجامعية سلعة مؤدى عنها.
ويخلص إيدمولود إلى أن الرهان اليوم يتجاوز مجرد توفير بعض الدراهم للمختبرات، ليصل إلى طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسة الجامعية. ويدعو إلى ضرورة اليقظة الجماعية لرفض أي توجه يربط الولوج إلى المعرفة بالقدرة المالية، مشدداً على الحاجة إلى “مثقف عضوي” يدافع عن الجامعة كحق اجتماعي، ويطالب بتمويل عمومي مستقل ومستدام، بعيداً عن منطق السوق الذي قد يقصي أبناء الطبقات الشعبية ويحول الدكتوراه إلى حلم بعيد المنال.








التعليقات
0 تعليق