يحل الثالث من شهر غشت من كل عام ليفتح جروحاً غائرة في ذاكرة الإيزيديين، مستحضراً تفاصيل المأساة التي عصفت بمنطقة سنجار عام 2014 حين اجتاح تنظيم “داعش” المنطقة. وبعد مرور اثني عشر عاماً على تلك الإبادة الجماعية، عاد شبح القلق ليخيم من جديد، ليس بفعل تحركات عسكرية ميدانية، بل نتيجة تصريحات تحريضية نُسبت إلى رجل دين إيراني، استهدفت المعتقد الديني للإيزيديين، مما أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول مدى فعالية الحماية القانونية والمؤسساتية المتاحة للأقليات في العراق اليوم.
إن القلق الذي يعتري المجتمع الإيزيدي لا ينبع من فراغ، بل يستند إلى تاريخ قريب تخلله اختطاف أكثر من 6400 شخص، فضلاً عن آلاف القتلى الذين سقطوا في تلك الحقبة. وفي ظل استمرار معاناة النازحين وتأخر ملفات الإعمار والمحاسبة، يرى مراقبون أن الخطاب التحريضي الأخير يمثل إنذاراً مبكراً يتطلب تدخلاً حاسماً من مؤسسات الدولة والمرجعيات الدينية، لمنع تحول الكراهية من مجرد كلمات إلى تهديدات فعلية على أرض الواقع.
وقد وثقت تحقيقات فريق الأمم المتحدة المكلف بجرائم “داعش” أدلة قاطعة على ارتكاب إبادة جماعية ممنهجة ضد الإيزيديين، حيث لم تكن الأهداف عسكرية فحسب، بل استهدفت وجود الجماعة ككيان ديني. وأسفرت تلك الحملة عن عمليات قتل جماعي، واستعباد للنساء والفتيات، واكتشاف مقابر جماعية لا تزال تشكل شاهداً مادياً على فداحة الجرائم التي ارتكبت، والتي لا تزال تداعياتها مستمرة حتى الآن من خلال البحث عن المفقودين وإعادة رفات الضحايا.
وفي هذا السياق، شدد مراد إسماعيل، النائب البرلماني عن تحالف القضية الإيزيدية، على أن حماية الأقليات ليست مجرد ملف هامشي، بل هي ركيزة استراتيجية لاستقرار العراق وتنوعه الثقافي والديني. وأكد إسماعيل على ضرورة مراجعة المناهج التعليمية لتشمل تاريخ المكونات العراقية المختلفة، معتبراً أن الجهل بالآخر يفتح الباب أمام الصور النمطية المتطرفة، داعياً إلى تبني استراتيجيات وقائية تبدأ من التعليم وتصل إلى القضاء والمؤسسات الدينية.
إن العدالة بالنسبة للناجين لا تتوقف عند توثيق الجرائم دولياً، بل تمتد لتشمل كشف مصير المفقودين وإعادة إعمار سنجار وتوفير بيئة آمنة تضمن عودة النازحين إلى ديارهم. ويرى الكثيرون أن الأمن العسكري وحده لا يكفي، بل يجب أن يقترن بتنمية مستدامة وشعور حقيقي بالمواطنة، لضمان أن لا تصبح سنجار أو غيرها من مناطق الأقليات عرضة للمساومات السياسية أو التهديدات المستقبلية.
ختاماً، تظل ذكرى الثالث من غشت اختباراً حقيقياً لمدى تعلم العراق من مأساته. فبينما تظل الأدلة موثقة دولياً، يبقى التحدي الأكبر هو بناء منظومة تحصن المجتمع من خطابات الكراهية قبل استفحالها. فالتنوع العراقي ليس نقطة ضعف، بل هو جزء أصيل من هوية البلاد، وحمايته تتطلب إرادة وطنية تحول الذاكرة المؤلمة إلى ضمانة فعلية لعدم تكرار التاريخ.








التعليقات
0 تعليق